مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

15 بابا وعمر - الفتى الثائر رمضان حمود

الجزء ١٦ · صفحة ٢٦٠

التصورات والخيالات، فما تراهم إلا ملتفين حوله خاشعين منصتين كأن على رؤوسهم الطير … وقد يُنظّم منهم جيشا، ويسير به إلى مقارعة عدوّ وهميّ … وهو في أثناء ذلك البطل المغوار والقائد العام المحرك للميدان»(1)، ويقول عنه زميله مفدي زكرياء: «أتذكر أننا عقدنا تحَالُفا على أن نسرد تاريخ مصطفى كامل المصري في مدة خمسة عشر يوما، فأتينا عليه قراءة باستغراق جميع أوقات النهار وزلف من الليل، وكان كثيرا ما يتمنى أن يكون له ولد يسامره بحياة العظماء صبيا … وقد أوثر عن حمود أنه كان كثير التّرنُّم بقول الرصافي:

إذا ما سمائي جاد بالذُّل غيثُها

أبَيتُ عليها أن تكون سمائيا»(2).

هـ-الاستقلال الفكري

عاش حمود في بيئة انتشر فيها التقليد، وسادها الجهل، واستعبدها مستعمر غاشم، وقد حاول ما في وُسعه التّحرر من هذه الأجواء الضيقة بذمه الشديد للتقليد، ودعوته إلى التجديد بمعناه الصحيح. فالتجديد في نظر حمود ليس آلة نهدم بها ما بنته أسلافنا، ولكنه قوة غير متناهية نرمّم بها الماضي، ونُمهّد بها المستقبل. وحركة التجديد لا تقف عند حدّ لأنّها سنّة الكون من لدن آدم إلى يومنا، ومُحال أن يعرقلها مُصَادم مهما كانت قوته ونفوذه(3).

ولعلّ ما ساعد حمود على تحرره الفكري ذكاؤه المتميز، وأسفاره العلمية، ونمط التعليم الذي تلقاه بتونس، وكثرة اطلاعه على الثقافات المختلفة باللغتين العربية والفرنسية.

ومجمل القول:

إن مقومات شخصية حمود متعددة يلخّصُها لنا أعزّ أصدقائه، ورفيق دربه في فترة التّعلُّم والشّباب شاعرُ الثورة مفدي زكرياء في قوله: «كان رحمه الله أديبا ظريفا، حلوّ الفكاهة، إذا جلس يُحادثك تخيَّلت أن الظّرف والحسن والجمال كلُّها جُمعت بين يديك، وكان مدار حديثه دائما في الوطنية والإصلاح وخدمة الأمة. كان كريما إلى درجة قُصوى، متواضعا لا لحد الإهانة، شريف النّفس عزيزها، ورُمي لأجل ذلك بالكبر والعجب، حادّ الذهن، قويّ الإرادة، شريف الإحساس، سليم الذوق، حاضر الحجة، ذكيّ الفؤاد. كان رحمه الله أبيًّا، مُفرطا في إبائه، وأبغض ما في الدّنيا إليه الظّلم والاستبداد … وكان ذا شغف عظيم

(1) -المصدر نفسه ص317.

(2) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص20.

(3) - رمضان حمود: بذور الحياة، ص 65.

٢٤٩ / ٣٠٩