مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

15 بابا وعمر - الفتى الثائر رمضان حمود

الجزء ١٦ · صفحة ٢٦٥

للفساد والتدهور الأخلاقيّ، يعسر على الخلف من بعدنا إبعاده»(1).

*-ثورته على الرجعية:

يقول «إن العصر جادّ في سيره فلنكن معه، وأما عهد الرجعية فقد مضى وانقضى، ومن أبى إلا الانكماش والانزواء في زاوية الجمود فإن الدهر وحده كفيل بتربيته وتقويمه أو كسره وإحراقه بنار الثبور التي أعدت لأولئك البؤساء»(2).

*-ثورته على التجديد المزيّف

يقول: «يريدون بالتجديد الإتيان بشيء لم يكن من قبل ولو كان مهلكة، والانتقال من حال إلى حال مهما كانت التكاليف، وبغير فكر ولا رويَّة … فما لبثوا أن وقعوا في شرك محكم العقد، ألا وهو التقليد الأعمى يقلدون أناسا لا خلاق لهم ولا دين، يقلدونهم في مساوئهم الضارة، ولكنهم عن محاسنهم الواجبة غافلون … »(3).

ولقد تألم حمود كمدا وحزنا للمصير الذي آلت إليه أمته في قصيدة رائعة بثّ فيها أحاسيسه وشكواه، ومن أبياتها ما يأتي(4):

بكيت و مثلي لا يحق له البكاء

على أمة مخلوقة للنوازل

بكيت على قومي لضعف نفوسهم

على حمل أثقال العلا والفضائل

بكيت عليهم والحشا متقطع

بكائي على طفل ضعيف العزائم

بكيت عليهم إذ رأيت حياتهم

مكدَّرة مملوءة بالعجائب

بكيت عليهم إذ نسوا كل واجب

ومالوا إلى حب الهوى والرذائل

و- المجال الاقتصادي

نحن ندرك أن الاقتصاد هو عصب حياة الأمة وشريانها الأساس، فبترقيته تقوى الأمة، وتحرز على استقلالها وتفخر بعزتها، وبتعطيل آلياته الحيوية فستعيش الأمة في طوق التبعية، وتذوق مهانة الاستعباد.

ولذلك دعا حمود قومه إلى تحسين التجارة لما وجد أغلبهم لم يزالوا يجهلون فنون الاقتصاد وأساليبه الواسعة، ودعاهم إلى إنشاء الشركات التعاونية، وتأسيس الجمعيات لحماية مصالحهم وتحديد الأسعار رفقا بالضعيف ودفعا للمنافسة المُضرّة، واتّباع القوانين المسطرة حتى لا ينشأ أي اختلال، وإنشاء جريدة عربية تتبع حركات الاقتصاد في العالم ليكون التاجر على بصيرة من أمره عند هبوط الأسعار وارتفاعها والاستفادة من سير الغير، وشراء البضائع من مصانعها بدون واسطة، إلى غير ذلك من بسائط فن التجارة. كما أن حمود لم يغفل عن مجالي الفلاحة والصناعة فاقترح أفكارا ومشاريع لتنشيطهما من أجل إنقاذ أمته من التخلف الاقتصادي، وحفظها من كل فساد. وأكدّ على ضرورة ضبط المعاملات الاقتصادية بأحكام الشريعة السمحاء والأخلاق الفاضلة(5).

ز- المجال السياسي

عانت الأمة الجزائرية من المستعمر الفرنسي الذي سعى جاهدا إلى مسخ شخصيتها الإسلامية، والقضاء على مقوماتها، واستنزاف ثرواتها معتمدا على سياسة البطش والقهر.

ويرى الدكتور صالح خرفي أن لفظة (السياسة) في قاموس الاستعمار الفرنسي للجزائر لا تكاد تتمتع بحقيقة اشتقاقها اللغوي، بل ربما اكتسبت على مرّ الأيام ومحك التجارب معنى جديدا لاصقا بها لا يتخلى عنه مفهوم القوة والبطش والظلم والاضطهاد … وقد لخص (بيجو) قائد الاحتلال شعار الحملة الفرنسية على الجزائر في هذه الجملة: احتلال الجزائر بالسيف والمحراث، السيف في رقاب العرب، والمحراث في يد المستعمر(6).

والمتأمل في التراث الأدبي الذي خلّفه حمود ستهزُّ نفسَهُ تلك الصيحاتُ المجلجلة التي يستنهض فيها الشعب الجزائري ليطالب بحقوقه، وينفخ فيه روح الحماسة ليثور، ويحطّم عنه أغلال الاستعباد، مُحذّرا إيّاه أن يكون لقمة سائغة في فم المستعمر.

ومن نماذج ذلك قوله في قصيدة بعنوان "اطلبوا العز وعيشوا كرماء"(7):

موطن الأمجاد سيرا للعلا

عشت حرّا يا مقرّ الفضلاء

ارفع الرأس، وزاحم من علا

واترك الخوف لقلب الجبناء

وانشُد الحق وطالب ما ترى

فيه خيرا لبنيك النبلاء

لا تملُّوا لا تميلوا أبدا

إنما النصر حليف البسلاء

لا تكونوا لقمة سائغة

في فم الظلم فذا عين الفناء

لا تظنوا الصمت ينفي ضررا

(1) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص152 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع114، 28/ 12/1928م.

(2) -المرجع نفسه، ص155

(3) -المرجع نفسه، ص145 - 146 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع113، 21/ 12/1928م.

(4) -محمد الهادي السنوسي: شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص173.

(5) -رمضان حمود: الفتى، ص 343 ـــ 346.

(6) -صالح خرفي: المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث، ص15.

(7) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص185 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع92، 21/ 7/1928م.

٢٥٤ / ٣٠٩