18 بابا عمي- على وقع مالك بن نبي
الجزء ١٩ · صفحة ٢٨٥في حقيبتي ـ أو بالأحرى في جهاز الكمبيوتر المحمول ـ مشروع "تفعيل المرجعية الإباضية الميزابية" …
بعد اشتغالي في المشروع، وكتابة بعض فصوله، متأثرا بكتاب "فكرة الأفروأسيوية"، تحوّلت مذكرات ابن نبي إلى محور البرنامج اليومي، وقد هالني ما اكتشفت من معاناة الرجل، مما لم أكن أعرفه من قبل … حتى صرت اليوم متيقنا أنَّ مالك بن نبي لم يكن يؤلف مقالاته، بل كان يعيشها بصبره كلمة كلمة، وينحتها من محنه وإحنه فكرة فكرة …
فيصدق - اليوم - أن يقال فيه: الرجل هو الفكر، والفكر هو الرجل …
فمالك بن نبي ـــــ من خلال مذكراته ــــــ قد سُجن، وعذِّب، وحوصر، وأفقرت أسرته: أبوه، وأخته، وكل محيطه … ، وسُجنت زوجته مرات، وعرف "الهجرة" كما سماها، وهي محاولة الهروب إلى الخارج بالأرجل، وعانى الأمرَّين في سبيل نشر أعماله، وفكَّر مرارا في الانتحار، وكان مُعوَزا منعت عنه كل أسباب الوظيف، وعرف بعض المناصب الشاقة التي تستدعي الجهد العضلي وهو المتعب المريض …
ولكن الذي أفرغ جعبته من الصبر، وجعله يدعو الله مستعجلا الموت له، هو الهجران والحصار الذي فرضه عليه أبناء المستعمرات من العرب والمسلمين، بفعل "القابلية للاستعمار"، سواء بالتواطئ مع المستعمِر، أو عن جهل وغفلة، أو لأمور أخرى لم يستطع تحديدها …
ولقد عانى الأمرين مع الحركات الوطنية بكل أطيافها، وعرف في "الزعامات" كلَّ معاني الخسة والرذيلة، وتيقن أنَّ أغلبهم طالب كرسيٍّ، وجلَّهم أخطبوطٌ يبتزُّ الشعب ويغتال الأمل لمآربه الخاصة … وقلَّ منهم من مات مؤمنا بمواقفه، منافحا عن دينه ووطنه … ، وهؤلاء عموما كانوا تحت وطأة الأيادي الخفية والظاهرة للاستعمار، بالتنسيق مع القلوب الحقيرة والمنافقة لأبناء المستعمرات …
ويكفي أن ندرك أنَّ الرجل، وهو مَن هو، قد عرف الجوع وشارف على الهلاك مرَّات، وقد اقتسم مع الطلبة الجامعيين غرفتهم وهو في الخمسينيات من