18 بابا عمي- على وقع مالك بن نبي
الجزء ١٩ · صفحة ٢٨٦عمره بالقاهرة، وقد أُرغم على ترك عائلته سنوات وهو لا يعرف عنها شيئا، ويدعو الله أن يكون قد رزقها الموت؛ "لأنه أرحم عليهم من الحياة" …
وقد شرع الرجل في تأليف "الظاهرة القرآنية" تحت قصف قنابل الألمان في الحرب العالمية الثانية، وكتب معظم مؤلفاته دون اعتماد المكتبات والمصادر؛ لأنَّه حُرم منها عن قصد من قبل الداخل والخارج …
وهو الذي كتب بتاريخ 22 ماي1958: "منذ خمسة أيام وأنا أحسُّ الفراغ تحت قدميَّ، والضباب أمام ناظريَّ، والأسف داخل أحشائي … " إلى أن يقول: "كل مطلع شمس، في مثل هذه الفترة العصيبة عليَّ، أستيقظ من النوم لأقول: "هل هو يوم آخر … " لا أعرف أحيانا ما هي شخصيتي الحقيقية: فأنا نقطة تَصارع بين جميع المتناقضات التي يمكنها أن توجد في إنسان على ظهر الأرض".
ويكتب في تاريخ آخر من دفاتره ومذكراته: "مرة تلو أخرى لا أجد السلام لي في هذا العالم، إنها الخيبة والشك في كل شيء … إذا لم تتداركني رحمة الإله فأنا ضائع جسما وروحا، مثلَ زورق ٍفي محيط تلهو به الأعاصير العاتية، متى تعرف طريقي نهايتَها إلى الجهة الأخرى من الحياة؟ يا ربِّ، امنحني بعض الأمتار، بعض السنتميترات … أقصِّر بها طريقي الشقية … فأنا متعب".
أنا لست هنا مهتمًّا بعرض هذه المذكرات، ولا مولعا بالغرابة والترف الفكري، ولستُ بحاجة لأُراكِمَ حجم المعلومات، فالكتاب الأصلي كفيل بإعطاء الصورة الحقيقية لما أقول … إنما وددتُ أن أُسقط ما قرأت على واقعنا اليوم … بعد مضيِِّ ما يقارب أربعين عاما على وفاة الرجل …
أردتُ أن أقارن بين ذاتي بكل حماقاتها وضعفها، وهذه الذات التي خرقت حجب الكون، واستقرت في عليين، صابرة محتسبة … رغم كل المعاناة التي لا تتحملها الجبال الشامخة، ولا الأكوان الشاهقة …
فالرخاء الذي يحيط حياتنا هو ولا شك نعمة من الخالق المنان … لكن، للأسف إنه يترك قلمنا باردا مهزوما … يذره بعيدا عن واقع الحياة كما هي ـ، هو أقرب إلى ترديد الصدى، ومضغ الحجر، منه إلى تغيير النفوس، وإحداث الانقلابات الفكرية في دنيا الناس …