18 بابا عمي- على وقع مالك بن نبي
الجزء ١٩ · صفحة ٢٨٨* جُربت الثورات فلم تفلح … ذلك أنها زرعت الدم والقتل والإبادة، عوض الحياة والأمل والعمل …
* جُربت الكتب والمقالات … غير أنها خاطبت بعض الناس، ونبَّهت بعض الأفئدة، ولم تلج إلى قرارة النفوس لتُغيِّرها، ولا إلى أغوار العقول لتصقلها …
* جُربتُ المدارس والمعاهد … فأثمرت رجالا ليسوا الأسوأ في الميدان، ولكنهم يقينا لم يكونوا الأحسن والأجدر بصنع واقع مختلف تماما عن أي مرحلة تاريخية أخرى عرفها العالم الإسلامي …
* جُربت الحركات والجماعات … فجرَّدت أتباعها من الإحساس الحضاري العام، وبلَّدتهم بإحساس ذاتي مفرد، ينظر إلى العالم من كوة مغلقة، فيفسر الكون كلَّه من زاويته الضيقة، ويختزل الحقيقة فيما بلغه عن "زعيمه" أو "مرشده" … وهو قابع في الدهاليز وداخل البنايات … بعيدا عن سعة الكون والحياة …
ماذا بقي لنا أن نجرب، إذن؟
* هل من الحكمة أن نتوقف هنيهة، ونفكِّر مليا، ونعيد قراءة الواقع ببصيرة، ونجتهد في قراءة الأدلة والنصوص بوعي ودراية … ثم نقترح الدواء اللائق، والشفاء الرائق … ؟
* أولم يفعل ذلك بعض العلماء، منهم مالك بن نبي، فلم يفلحوا ولم يغيروا هذا الواقع التغيير المنشود؟
أقول، والله أعلم: الخرق أوسع من أن تخيطه إبرة واحدة، والجرح أعقد من أن يشفيه دواء واحد، والأرض أظمأ من أن تسقيها قطرة واحدة، والفؤاد أفرغ من أن يعمره أمل واحد، والفكر أجذب من أن تحييه فكرة واحدة …
فلنجرِّب جمع الطاقات جميعها على صعيد واحد … لكن شريطة أن يكون في خلية كلِّ طاقة ما يدفعها للاجتماع والتكتل، تماما مثل الفطرة التي تحملها