مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

20 بوحجام - رسالة من الطفل الفلسطيني

الجزء ٢١ · صفحة ٣٠٢

الطّفل المسلم: وضّح أكثر، وفصّل القول.

الطّفل الفلسطيني: أَعِدَّ نفسك للقيام بخدمة القضية الكبرى بالتّزوّد بالعلم أوّلا، تعلّم بقوّة، واستغلّ الحريّة التي تتمتّع بها في بلدك لتزيد من وعيك بالواجب الذي ينتظرك، ووظّف الخيرات التي تنعم بها في وطنك، والتي حُرِمْتُ منها في أرضى بفلسطين لتكون أكثر استعدَادًا للعمل الكبير من أجل تحريري وتحرير القضيّة من براثن الطّغيان والجبروت والقهر. لتقدّم الخدمة الكبيرة وأنت رجل قويّ متمكّن. إنّ العدوّ يخشى من إعداد الأطفال وتأهيلهم من أجل القضيّة الكبرى. لذا يعمل على القضاء عليهم؛ حتّى لا يكونوا غصّة في حلقه، وشوكة في طريقه، ومعولا لمخطّطاته، وحربًا على مشروعاته … أَعِدَّ نفسك بعيدًا عن الجوّ الخانق الذي نحن فيه في داخل الأرض المحتلّة، واستفد من الإمكانات التي أنعم الله بها عليك لتكوّن نفسك منقطعًا عن آلات الدّمار وأسباب الحرمان … لتخدمنا وتخدم القضيّة الكبرى. هل فهمت الآن لماذا أطلب منك البقاء بعيدًا عنّي لتخدمني أكثر، وتنمحني الأمل في التّحرّر. فكّر في الأمر جيّدًا، وانظر ماذا ترى.

الطّفل المسلم: ماذا أرى غير ما تراه، فأنت أدرى بالموضوع؛ لأنّك تعيش المحنة أكثر منّي، وتعرف العدوّ أحسن منّي؟ أسألك أخي: من أين تعلّمتَ كلّ هذا؟ وكيف أدركتَ هذه الحقائق وأنت ما تزال طفلاً صغيرًا؟

الطّفل الفلسطيني: المحن تُعَلِّم الإنسان، والألم يحرّك العزائم، والأزمة تلد الهمّة، وتبني الإرادة، والحاجة تدفع إلى حسن التّفكير، والحرمانُ يوقظ العواطف، والظّلمُ يهدي إلى سبل النّجاة، والضّغط بولّد الانفجار، في الفكر والشّعور والتّخطيط والتّدبير … وفي كلّ شيء.

الطّفل المسلم: فهمتُ الآن، ووَعَيْتُ ما ترمي إليه، وأدركتُ صواب ما دعوتني إليه، سأمتثل إليه، وسأعمل على إعداد نفسي بِما أشرتَ إليه. لكنْ حتّى أحقّقَ ذلك، وأقومَ بواجبي نحو القضيّة الكبرى، كيف تتصرّف مع العدوّ المستبدّ الباغي؟ كيف تعيش وسط هذا الجوّ القاتم؟

الطّفل الفلسطيني: لا تخفْ ولا تحزنْ عليّ، لقد أَلِفْتُ هذه الحياة، أنا أَعْرِفُ العدوّ ويعرفني جيّدًا. بيننا علاقة مقاومة وتحدٍّ، لا تنقطع أبد الدّهر حتّى ننال إحدى الحُسْنَيَيْنِ. أنا ما أزال واقفًا على قدميّ، لم أنكسرْ، ولم أسقط على الأرض ولمْ أَنْدَحِرْ، لم أستسلم ولم أَذِلَّ. إذا حرمني الغاصبُ من أبسط حقوقي بقيتُ صامدًا، إذا جار عليّ وتعدّى تصدّيتُ له مقاومًا. إذا ضايقني في أرضي، وأقلقني في ترابي، ظَلَلْتُ متمسّكًا بهما. إذا تخلّى عنّى ذوو قرباي أو خانوني، فإنّ معي ربّي يحميني وينصرني. إذا منعني العدوّ من التّعلّم في المدارس تعلّمتُ في

٢٨٩ / ٣٠٩