مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

24 خطبة العدد - نورالدين قري

الجزء ٢٥ · صفحة ٣١٤

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا رب سواه، والصلاة و السلام على رسول الله. أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون، إن مما سبق ذكره عن الحسد ودواعيه يتبين لنا مدى خطورة هذا المرض القلبي الفتَّاك بالأفراد و الجماعات، و مدى الظلمة التي يحياها قلب الحاسد، والجو العفن الخانق الذي تعيشه نفسه، حياة لا يتمناها العدو لعدوه. فكيف يرضاها لصديقه أو قريبه، لكن لله في خلقه شؤون.

أيها الحاسد:

ألا تستفيق من سباتك، وتخلِّص نفسك من الحمإ المسنون الذي ترتع فيه؟ اسمع إلى بعض الحكماء ما يقول فيك: ما أمحقُ للإيمان، و لا أهتكُ للستر من الحسد، وذلك أنَّ الحاسد مفنِّدٌ لحكم الله، باغٍ على عباده، عاتٍ لربه، يعتدُّ نعم الله نقما، وعدل قضائه حيفًا، للناس حال وله حال، ليس يهدأ ليلُه، و لا ينام جشعُه، و لا ينفعه عيشُه، محتقرٌ لنعم الله عليه، متسخِّط ما جرت به أقداره، لا يبرد غليلُه، و لا تؤمن غوائله، إن سالَمتَه وَتَرَك، و إن واصلتَه قطعك.

و اسمع إلى هذا الشاعر ماذا يقول لك.

أيَا حاسدًا لي على نعمتِي

أتدري على من أسأتَ الأدبْ

أسأتَ على الله في حُكمِهِ

لأنَّك لم ترضَ لي ما وَهَبْ

فأخزَاكَ ربي بأن زادنِي

وسَدَّ عليكَ وُجوهَ الطلبْ

أيُرضيك أن تجتمع فيك كل هذه الموبقات؟!

لقد جنيتَ على الله بأن سخطت على قدره، وحقرت نعمه، واستبشعت قسمته.

لقد شاركت إبليس وسائر الكفار في مُعاداتهم للمؤمنين، ومحبة حلول البلايا بهم، و زوال النعم عنهم.

ألا يكفيك ما تعيشه من عذاب مستمر، يتألم به جسدك، و تضطرب به نفسك. لم تستقرَّ يوما حياتُك، و لم يهنأ لك ساعةً عيشُك. ما أسعدتَ أهلَك، و لا أحسنت لغيرك. انهالت دعوات من تحسدهم عليك، فأحللت سخط الله بك. فما استطاع حسدُك تغيير حالهم، إذ ما زال الله يُغدق عليهم.

٣٠١ / ٣٠٩