07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي
الجزء ٨ · صفحة ١١٢هذا النّصّ يسجّل للّغة العربية عالميتها، التي كانت تتمتّع بها في القديم بخاصّة؛ بما قامت به من أدوار في البناء الحضاري، وتطوير وسائل الإفادة وتفعيل مجالات الحضارة الإنسانيّة بعامّة. وهو ما دفع بغالبية الشّعوب التي احتكّت بها أن تتعامل بها في مختلف حقول المعارف الإنسانيّة. إنّ هذا يقرّ بدورها الرّيادي في مسيرة الفكر العالمي، ويبرز مكانتها الحضارية.
3 – هذه المكانة الحضارية العالمية، اكتسبتها اللّغة العربيّة بفضل ما تتمتّع به من مميّزات وإمكانات لصهر الثّقافات التي احتكّت بها، بعد أن استوعبتها، وكيّفتها بما لا يمسّ بأصولها. إنّ هذا يمنحها المرونة في تقبّل الثّقافات الأخرى. هذا عنصر آخر يضاف إلى مكانتها العالمية. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " بهذه البدهيات العلمية، الحضارية، الإنسانية تمّ إنتاج الحضارة (العربية – الإسلامية - العالمية) التي صهرت المعارف العلمية، والفلسفية، والثّقافية، والحضارية عند أمم كثيرة، في مختبر البيئة الفكرية الحضارية الجديدة، وسجّلت النّتائج بلغة عربيّة، أثبتت قدرة متفوّقة على احتواء إبداعات العقل اللاّمحدود، فاغتنت اللّغة العربيّة بمفردات غريبة عن التّداول الاجتماعي، ولكنّها لم تكن غريبة عن طبيعة تكوينها وخصائصها ومميّزاتها."(1)
4 – تميّزت بصفة التّأثّر والتّأثير بلا حدود، مع المحافظة على هويّتها وشخصيتها. هذه سمة اللّغات القويّة الغنيّة بالعناصر الحيّة التي تعطي وتأخذ، وهو ما يمنحها فرصة التّطوّر والتّجدّد. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: "احتضنت اللّغة العربيّة حصاد الفكر العربي، الذي خضع في خلال رحلة الفكر اللاّمحدود إلى مؤثّرات داخليّة وخارجيّة، بدأت بالتّفاعل التّجاري والحضاري والاجتماعي مع شعوب غير عربيّة، فأمدّتْهم التّجربة الإنسانيّة القائمة على الحوار والتّبادل والتّفاعل بمفردات، لم تكن في أصل المنطوق العربيّ، ونقلوا أيضًا إلى الآخر مفردات دخلت مع حركة الزّمان، في أصل لغتهم، فأثبتت اللّغة العربيّة قدرتها على التّأثّر والتّأثير، وأكّدت على سلامتها وأصالتها بقبول الكثير من المفردات غير العربيّة، وحافظت على مقوّماتها؛ بالرّغم من تعدّد اللّهجات، التي لم يُحفظ منها إلاّ ما يتوافق وطبيعتها، ولا يتناقض وجوهرها وخصائصها. "(2)
(1) - الدّكتورة مها خير بك ناصر، "إشكالية اللّغة العربيّة والعولمة في ضوء البنية اللّغوية وكيميائية التّحوّل"، مجلة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربية)، الجزائر، ع: 16، خريف 2006، ص: 282.
(2) - المرجع السّابق، ص: 286، 287.