مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي

الجزء ٨ · صفحة ١١٣

يسجّل النّصّ مظهرًا آخر من مظاهر القوّة، التي تُبين عن جدارة اللّغة العربيّة في أخذ سمة العالمية، إنّها صفة التّأثّر والتّأثير، أي قبول مفردات من لغات أخرى، وإغناء أخرى بمفردات من بناتها. من دون المساس بأصولها، ومن دون تضييع خصائصها. هذه الظّاهرة ناتجة عن مرونة اللّغة العربيّة وغناها وسعتها لتقبّل هذا الفعل الحضاري.

5 – هناك جانب آخر مهمّ يبيّن طبيعة اللّغة العربية، هو جانب الاشتقاق، أي هي لغة اشتقاقية. وهي الصّفة التي تجعلها صالحة لكلّ زمان ومكان، وقادرة على استيعاب المستجدّات، والتّفاعل مع أخواتها من اللّغات الأخرى، وفي هذا تقول العربيّة عن نفسها على لسان حافظ إبراهيم:

وَسِعتُ كَتَابَ الله لَفْظًا وَغَايَةً

وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ

فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَنْ وَصْفِ آلةٍ

وَتَنسِيقِ أَسْمَاءٍ لمخْتَرَعَاتِ

هذا الجانب القويّ في اللّغة العربيّة يدفع بها أن تكون عالمية، يستفيد منها البشر بمختلف أجناسهم، وبخاصّة الباحثون في اللّسانيات. إنّه أحد مظاهر قوّتها وحيويتها وعلميتها. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: «تظهر الدّراسات اللّغويّة المنطقيّة والموضوعية ديناميكية اللّغة العربيّة التي أَكسبَتْها حركيّة فيزيائيّة وخصائص كيميائيّة، ساعدت في حفظ بذور هذا الفكر العالمي، وتحصينه في مختبرات الفكر الإسلامي الإنساني، وذلك من خلال الطّاقة الحركيّة الاشتقاقية والتّوليديّة، التي أسهمت في رعاية عملية تخصيب العلوم والمعارف العالميّة، في مختبرات لغويّة عربيّة، خَمّرت المواد المعرفية؛ وَفق ما تفرضه شروط التّجربة، وما تتطلّبه من وسط لغويّ سليم، قادر على استيعاب المكوّنات وتحفيزها في إعادة إنتاجها وتدوينها إرثًا حضاريًّا إنسانيًّا كونيًّا، شارك في صنعه عباقرة عرب وغير عرب».(1)

6 – ما تملكه اللّغة العربيّة من مميّزات قويّة، جعلتها تتبوّأ مكان الصّدارة بين اللّغات الفاعلة المؤثّرة، الدّليل على ذلك المكانة التي كانت عليها أو فيها زمن الخصب والنّماء والقوّة. يذهب الدّكتور عبد الجليل مرتاض بعيدًا حين يقرّر أنّ العولمة الحالية استمدّت جذورها ونبتت بذورها في حقل اللّغة العربيّة: " … ولكن ما وقفنا عليه يدفعنا إلى أن نميل إلى القول، وبكلّ اطمئنان: إنّ اللّغة العربيّة كسبت رهان العولمة القديمة، التي تأسّست على تراثها وأصالتها وجذورها، هذه العولمةُ الجديدة. ولئن كانت العولمة الجديدة

(1) - المرجع السّابق، ص: 288.

١١٠ / ٣٢٩