07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي
الجزء ٨ · صفحة ١١٤موجّهة ومُسيّسة ووجبات مطبوخة على قدّ الذّوق والمقاس اللّذين، ترغب فيهما الدّول المسمّاة كبرى، فإنّ العولمة التي قادتها اللّغة العربية قرونًا من الزّمن، من أقصى آسيا شرقًا إلى غرب أوروبا جنوبًا، لم تكن قاهرة، ولا مجبرة إقليميًا وشعبًا؛ لاتّخاذها لغة، أو تَبَنِّي خطّها رسمًا"(1).
يضيف هذا النص عناصر أخرى مهمّة، تُبين عن قيمة اللّغة العربيّة وفضلها على الفكر العالمي أو دورها – على الأقل – في الفكر الإنساني:
أ-إنّ العولمة الجديدة التي تتبجّح بريادتها للعالم، وبتوجيهها لمسار الفكر العالمي، سُبِقت في هذا المسار بعولمة قديمة، هي عولمة اللّغة العربيّة.
ب-إنّ العولمة الجديدة تأسّست على أعقاب العولمة القديمة، التي كانت اللّغة العربيّة هي البانية لها، وبذلك كسبت هذا الرّهان.
ج-إنّ العولمة الجديدة انبنت على الهيمنة والسّيطرة والقهر، ولذلك تظهر فيها آثار التّسييس المفرط، والتّوجيه المغرض، والتّغرير الماكر … بينما العولمة القديمة كانت بعيدة كلّ البعد عن هذه السّياسة وهذا التّوجّه، بل اجتهدت في خدمة الفكر؛ بما تملك من مقوّمات قويّة صالحة للتّطوير القويّ، والتّنمية الشّاملة.
7 – تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: "لم تخسر اللّغة العربيّة في زمن نهضة العرب قيمتها الحواريّة، أو طاقاتها الاختزالية المعرفيّة، بل أثبتت عبر تاريخها قدرتها على نقل ما ينتجه الفكر الإنساني، وتكريس المنتج قيمًا معرفيّة، تختزل عمليات التّلقّي والتّأثير، وانعكاساتهما في مظاهر الحياة السّياسيّة والدّينيّة والاقتصاديّة والتّاريخيّة والفكريّة والفلسفيّة والعلميّة، فتميّزت اللّغة العربيّة بالخصوبة والحيويّة والنّموّ والتّطوّر المؤسّس على الأصول … "(2)
8 - أصالة مقوّمات اللّغة العربية، وآثارها الإيجابية التي ظهرت في مختلف مراحل مسيرة الفكر الإنساني العالمي، منحت هذه اللّغة الفرصة أن تعيد مكانتها بين اللّغات المؤثّرة في الحياة العامّة الحالية، رغم ما تعانيه من مشاكل ومعوّقات ومثبّطات في مسيرتها ــــ داخليًا وخارجيًا ـــــ في المشاركة الحضارية الفاعلة في الحياة اليومية. يقول الدّكتور عادل نوفل: "لقد أثبتت
(1) - الدّكتور عبد الجليل مرتاض، "العربيّة ورهانها العولمي لسانيًا"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 729.
(2) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 285، 286.