مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

07 بوحجام - اللغة العربية والفكر العالمي

الجزء ٨ · صفحة ١٣١

فتمدّنا هي ـــــ أيضًا ـــــ بالحياة وتعطينا الطّاقة التي بها نصول ونجول، فلا نحول، وننطلق إلى العالمية بقوّة وثقة في النّفس. يقول الدّكتور أحمد شفيق الخطيب: "إنّ مستقبلنا العلمي الحضاري والثّقافي مرهون بأن تصبح اللّغة العربيّة جزءًا من الحياة اليومية في المدرسة والبيت، كما في المصنع والجامعة ومراكز البحوث، وأن تغدو الثّقافة العلميّة جزءًا من ثقافة الصّانع والزّارع والبنّاء والحدّاد والنّجّار والعامل، كلّ في مجالات عمله."(1)

الخلاصة:

*ــــ إنّ اللّغة العربيّة لا تهدّدها العولمة المتوحّشة، ولا النّظام العالمي الجديد، فهي قادرة على الإفلات من قبضتهما، والسّير قدمًا نحو التطوّر ومزيد التّأثير في مجرى الفكر العالمي، والإضافة إليه، ولكنّ الخطر الأكبر، والدّاء المميت يأتيانها من داخل الدّيار؛ بسبب تهاون أهلها وإهمالها، والتّنقيص من قيمتها وإهانتها، والاعتداء عليها بكلّ أصناف الاعتداء.

*ــــ إنّ مقام اللّغة العربيّة عالميًا يظلّ ضعيفًا، مادامت الأمّة العربيّة والإسلامية لمّا تشكّل قوّة، يكون لها تأثيرها في مجريات الأحداث، ووزنها في تطوّر الحياة، تشارك في صنع القرارات، وتوجيه المسار. وستبقى اللّغة العربيّة بعيدة عن المنافسة، التي تمنحها الاندماج في سيرورة الفكر العالمي، ما لم يحدث في العالم العربي والإسلامي انفجار علمي قويّ، وثورة كبيرة لتطوير اللّغة العربية، وتطويعها لتتكيّف مع المستجدّات، واستيعاب المتغيّرات، والتّعبير عنا بدقّة، كما كان لها هذا الدّور في أزهى عصورها، أين أنتجت الحضارة، وأثمرت الفكر القويّ، ما مكّنها من تسنّم قمّة الفكر العالمي.

*ــــ رغم ما يُبذل من جهود مشكورة للرّقيّ باللّغة العربيّة، لاسترجاع مكانتها العالمية، وهي مبادرات صادقة، صادرة ونابعة من الإخلاص والوفاء لهذه اللّغة، ومدفوعة بطموح كبير لخدمتها، وإنصافها، ورغبةٍ ملحّة وجادّة للتّعريف بحقيقتها لغير النّاطقين بها، ليفيدوا منها، كما أفاد من قبلهم بها، حين كانت في أوج قوّتها، وكان أهلها في قمّة العطاء وقوّة الإبداع … إلاّ أنّها تظلّ جهودًا قاصرة عن جعل اللّغة العربية لغة عالمية واسعة الانتشار، فهي كما يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " لا تحظى من الاهتمام الوطني والقومي، إلاّ بقدر ضئيل، ثمّ إنّها جهود مشتّتة موزّعة، غير موحّدة المناهج، لم تتجاوز بعد مرحلة الاقتراح وإبداء الرّأي في المجال المعجمي. فإنّ قرارات المجامع وأعمالها العلميّة، وفي المصطلحات ليست إلزامية. ثمّ إنّ التّعريب ما زال – رغم طول العهد بالإفاقة – بين أخذ وردّ، ورفض مطلق، وقبول مقيّد، وتطبيق مضطرب، قد

(1) -الدّكتور أحمد شفيق الخطيب، "الثّقافة واللّغة العربيّة في عصر العولمة"، المصدر السّابق، ص: 701.

١٢٨ / ٣٢٩