مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٣٦

وإذا كان مجال الدراسة يستعصي على الاستطراد النظري في تحديد معنى "الرمز" في الأدب والنقد، فإننا بإمكاننا ــــ بناء على ما تقدم ــــ إيجاز تعريف لهذا المصطلح بأن نقول:

الرمز في اللغة: «الإشارةُ والإيماء»(1)، وفي الاصطلاح النقدي: كلمةٌ، أو عبارةٌ، أو صورةٌ، أو شخصيَّة، أو اسم مكانٍ، يضمُّ في داخلة أكثر من دلالة، يربط بينها قطبان رئيسييان؛ يتمثَّل الأول في البعد الظاهر للرمز، وهو ما تتلقَّاه الحواسُّ منه مباشرة، ويتمثَّل الثاني في البعد الباطن أو البعد المراد إيصاله من خلال الرمز.

والرمزُ على أنواع منها: الرمز العلمي، والرمز اللغوي، والرمز الديني، والرمز الطبيعي، والرمز الفني، والرمز الأسطوري، وغيرها. وممَّا يجمع بين هذه الأنواع من الرموز أنَّ كل واحد منها يحمل دلالتين؛ ظاهرة وباطنة، وكلُّ رمز يتضَّمن الموضوعيَّ والمتصوَّر، وكلُّ رمز يحلُّ محلَّ شيء ما، إلى جانب أنه ينطوي على قدرة ثنائية. ويتميَّز الرمز في الفن ـ الشعر بخاصّةـ بأنه لا يتبدَّى إلا ضمن السياق، وهو مرتبطٌ بتجربة الشاعر، وبأبعادها، وبالمرجعيات التي تنبثق منها أو تؤثر فيها، كما أنه متعدّدُ الدلالات؛ فهو يحمل في داخله ـ إلى جانب المعنى الإشاري ـ البعد الاجتماعي، والنفسي، والفكري، والعاطفي، وما إلى ذلك.

يمكن القول إذا إنَّ الرمز في الشعر لا يولد من الفراغ، وأنَّ توظيف الشاعر لهذا الرمز يُعتبر مهمَّة كبيرة وصعبة، إذ إن الرمز لا يحمل فقط السمات الذاتية التي يُسبغها الشاعر عليه، بل يعكس كذلك عرفاً جماعياً قد يخفى عن القارئ المبتدئ، وكلما كان الرمز ممثِّلاً لما هو "عُرفي" و"متّفق عليه"، أي انعكاساً للوعي الجمعي الراهن -أو الممكن أو الاثنين معاً -ازداد تأثيره، وازدادت أصالته.

بين الرمز والصورة:

لقد آثرنا في هذه الدراسة استعمال تعبير "رمزية النخلة" بدل مصطلح "صورة النخلة"، الذي يبدو أقرب إلى الاستعمال النقدي المألوف، وقد لجأنا إلى هذا التدقيق للتعبير عن تطور استعمال هذه الصور في شعر الأديب محمد صالح ناصر؛ فلقد لاحظنا أن تصوير مكونات الطبيعة ومظاهرها، وتوظيفها في النصوص الشعرية اكتسب مع مرور الزمن وعوامل متظافرة (سنشير إليها لاحقا) إلى أفكار مجردة متعالية راسخة

(1) ـــ ابن منظور، محمد بن مكرم: «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، (د. ت) مادة: "رمز".

١٣٤ / ٣٢٩