08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٣٧في وعي الشاعر ولا وعيه، وحتى لا يكون حديثنا موغلا في التنظير ــــ وهذا لا مندوحة عنه ــــ فإني أمثِّل لهذه الظاهرة (ظاهرة تحول الصور إلى رموز خاصة عند الشاعر) بصورة «المئذنة»؛ هذا المكون المعماري المادي الذي يجسد يحاءات معروفة عند عامة المسلمين مشرقا ومغربا، نجده يُحَمَّل بتظافر عوامل الدين والعرف والتاريخ دلالات رمزية عميقة متعالية وظَّفها الشاعر في عدد من قصائده؛ رمزٌ مكوَّن من عدة صور؛ كالمئذنة الأمَّة، والمئذنة النصر، والعزة والوحدة … انظر إليه حين تحدث عن فجر الصحوة الذي بدأت تباشيره تظهر في سماء الأمَّة الإسلامية، فقال في قصيدة «الأموات والأحياء»:
«صُبحٌ تنفَّس، فالظَّلامُ مُلَمْلِمٌ
خزْيَ الشَّقاءِ يَجُرُّ ذيل هَوَان
حَنَّتْ لمطْلَعِهِ المآذنُ في رُبَاهُ
حَنِينَ بدْريٍّ إلى الرِّضوان»(1)
فمآذن الشاعر كائنات حيَّة، تحسُّ وتشعر وتأسى وتَحِنُّ، تَحِنُّ للنصر والاستشهاد حنين صحابة بدر إلى رضوان الله وجنته. مآذن الشاعر صورةٌ رمزية مختبئة في ذاكرته من من أيام الطفولة، أيام النشأة في القرارة، حيث تنتصب المئذنة كأعلى بناء يشرف على منازل قريته(2)، شامخة متسامية ثابتة، هذه الصورة الراسخة تحوَّلت لدى الشاعر إلى مُعطى رمزي مجرَّد عن طبيعته المادية، معطى ممتزج بأحاسيس العزَّة والثبات وحبِّ الاستشهاد. نجد هذه الصورة الرمزية ذاتها (صورة الثبات والعزة وحبِّ الاستشهاد) تتجسَّد في قصيدة أخرى وفي ديوان آخر، حين عايش الشاعر نكبة المدن البوسنية واستماتة مدينة «يايتسي» أمام همجية الصرب الغاصبين، فكانت قصيدة بعنوان «لن تسقط يايتسي وفيها مئذنة»، وجاء فيها:
«فمالِيَ مِنْ دُنيَايَ شَيءٌ يَشُدُّنِي
إليهَا، سِوَى بَيتِي بِها وَعقيدَتِي
ومِئذنَةٍ تَعلُو هُناكَ، يَهُزُّنِي
نِدَاهَا لِئَلاَّ أَستَكِينَ لِذِلَّةِ
تَشُدُّ إلى أفْقِ السَّماءِ نَواظِرِي
فَتُشْرِق نفسِي في اغْترابِي، وَوَحْشَتِي
أُلاَقِي بِها وَجهَ النَّبيِّ وَصَحْبِهِ
وَبَدرًا وَحِطِّينًا تُحَرِّك أُمَّتِي(3)
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، دار الريام، الجزائر، ط1، 1431هـ/2010م ص: 162.
(2) ـــ تشتهر قرى وادي ميزاب، ــــــ ومنها القرارة مسقط رأس الشاعر ــــــ بهندسة معمارية متميزة بحيث بنيت على هضبة مرتفعة يكون المسجد في أعلى الهضبة، وتلتفُّ الدور حول المسجد نزولا إلى أسفلها. فتظهر مئذنة المسجد سامقة شامخة للقادم إلى القرية من بعيد.
(3) ـــ ناصر محمد: «ألحان وأشجان»، (ديوان شعر) نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1416هـ/1995، ص:44.