مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٣٨

نلاحظ كيف أن المئذنة تختزل برفعتها صور السمو إلى السماء، وبثباتها منتصبة صور الصمود وحب الاستشهاد، ويؤكد هذا حضور الرمز الديني مرَّة ثانية في آخر بيت متمثلا في معركتي «بدر» و «حطين» بكل ما تحملها من دلالات وإيحاءات للقارئ المسلم.

ولا أريد أن أستطرد في ذكر المظاهر الصوتية والتركيبية والدلالية المتظافرة التي تؤكد نظرتنا لرمزية المئذنة لذى الشاعر وتعبيرها عن صورة المئذنة المخزونة في لا وعيه منذ طفولته، فيكفي أن نتأمل قوله «ومئذنة تعلو هناك» لنستخرج عددا من المظاهر الأسلوبية المؤكدة للفكرة، فلفظ "هناك" مكوَّن صوتيا بطريقة تؤدِّي إلى التنهد والتنفيس، فحرف الهاء حلقي والنون الممدوة تتيح خروجا حرًّا للنفس. واللفظ من ناحية أخرى مكوَّن دلاليا ليوحي بأن المئذنة تعلو بعيدا في وطن غريب لم تؤلف فيه المآذن، فكأن الأصل والمألوف أن تعلو المآذن هنا في البلاد العربية الإسلامية، أما تلك المئذنة فعلت متميِّزة «هناك» بعيدا في بلاد الغرب والغربة، ولعل في هذا التوظيف الرمزي متأثر بقصيدة عبد الرحمن الداخل(1) في النخلة التي رآها منتصبة في رصافة الأندلس، فقال فيها:

«تَبَدَّتْ لَنَا وَسْطَ الرُّصَافَةِ نَخْلَةٌ

تَنَاءَتْ بِأَرْضِ الغَرْبِ عَنْ بَلَدِ النَّخْلِ»

نخلص مما سبق إلى أن توظيف الصورة الفنية عنصر أساسي في الشعر، وأن هناك صورا تتطور عند الشعراء لتغدو رموزًا، قد تكون رموزا خاصة بالشاعر، وقد تكون رموزا مشتركة بين أبناء مجتمع معين وبيئة معينة.

ولقد اسهبنا في إثبات هذا الفرق بين الصورة والرمز لنزيل اللبس الذي قد يساور بعض الدارسين من أن توظيف الشاعر محمد ناصر لعناصر بيئته الصحرواية ومظاهرها التي نشأ فيها إن هو إلا توظيف طبيعي تلقائي للعناصر المشاهَدة، بل سيتأكد لنا بما ليس فيه مجال للشك بأن كثيرا من هذه العناصر، ونخص هنا النخلة بالحديث، قد وظفها الشاعر بعناية وعمق، لتجسِّد كثيرًا من القيم الأخلاقية والدينية والعرفية السامية في المجتمع الإسلامي.

(1) ـــ عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان "صقر قريش" (و:113هـ/ ت:171هـ) دخل الأندلس وحكمها 33 سنة (138هـ و 171هـ). الذهبي، شمس الدين: «سير أعلام النبلاء»، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1993، ج8، ص: 244.

١٣٦ / ٣٢٩