مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٤٠

الله صلى الله عليه وسلم أطعموا نساءكم الوُلَّد الرطب فإن لم يكن رطب فالتمر وليس من الشجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران»(1).

ولما كانت أغلب البلاد الإسلامية بلاد تمر ونخل، فقد اشتهر هذا الحديث عند أهلها ووجد فيه علماء المسلمين مظهرا من مظاهر الإعجاز النبوي، ليس في قيمة ثمرتها الغذائية التي أثبتها الطب الحديث فحسب، بل وفي عملية تلقيح النخل التي يشير إليها الحديث وتلقيح البشر … كل هذا جعل النخلة تحتل مكانة مرموقة في قلب العربي المسلم الذي يعيش في كنفها ويتغذى من ثمارها كما قال - صلى الله عليه وسلم - «يا عائشة بيت لا تمر فيه جياعٌ أهله» [قالها مرتين](2)، وبذلك فإن المسلم الحق يشعر فعلاً بأن النخلة من أقاربه الذين تجب عليه صلتهم ورعايتهم وإكرامهم، امتثالا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «أكرموا عمَّتكم النخلة».

وإذا تأملنا الشعر العربي ـ القديم منه بوجه خاص ـ وجدنا أن النخلة كانت تحتل صدارة النباتات والأشجار المذكورة فيه، إذ كانت أشهر أشجار الجزيرة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة، حتى قرنت بأماكن معينة كعُمان وهَجَر … فقالت العرب «كمستبضع التمر إلى هجر»(3).

وكانت النخلة منذ العصر الجاهلي تحضى بالتقديس والتبجيل؛ فكانت عند عرب الجاهلية مقدَّسة لأنها تحمل معاني الخصوبة والأنوثة؛ «فكانت النساء الجاهليات يضعن حليهن وأثوابهن على جدوع نخل نجران ابتغاء للذرية من الإلهة "عشتار" التي كانت تلبس القلائد والقروط»(4).

كما كان للنخلة حضور قوي في الشعر القديم وفي أمثال العرب، ومن ذلك قولهم «ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل»؛ والدخل هو العيب الخفي الباطن، ويضرب لذي المنظر لا خير عنده(5).

(1) ـــ أوردنا الحديث استئناسا بمغزاه، رغم أنه ضعيف باتفاق أغلب المحدثين، فقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وفي سنده مسرور بن سعيد التميمي وهو ضعيف. انظر مثلا علي بن أبي بكر الهيثمي: «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» دار الكتب العلمية بيروت، 1988، ج5، ص: 39.

(2) ـــ رواه مسلم في صحيحه، باب ادخار التمر ونحوه من الأقوات للعيال.

(3) ـــ الميداني أحمد بن محمد، أبو الفضل: «مجمع الأمثال»، تح/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجبل، بيروت، ط2، 1987، مج 2، ص: 152.

(4) ـــ أبو سويلم، أنور: «النخلة في الأدب الجاهلي» ضمن كتاب «مظاهر من الحضارة والمعتقد في العصر الجاهلي»، دار عمار للنش والتوزيع، عمًّان، الأردن، 1991، ص: 51.

(5) ـــ الميداني أحمد بن محمد، أبو الفضل: «مجمع الأمثال»، مج 1، ص: 240، 241.

١٣٨ / ٣٢٩