08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٤١والنخيل عند الشعراء مثال للحبيبة الظاعنة في هودجها، تُهيج حبيبها بالأشواق، فنجده يصوِّر هودجها كسعف النخلة في تمايله، وتحريك الرياح إياه، ومنه قول امرئ القيس:
تَبَيَّنْ خليلي هل تَرى من ظعائنٍ
لمَيَّةَ أمثالِ النّخيلِ المَخَارِفِ(1)
وفي هذا المعنى يقول ذو الرمة:
كَأَنَّ أَظْعَانَ مَيٍّ إِذْ رَفَعْنَ لَنَا
بواسقُ النَّخلِ منْ «يبرينَ» أو «هجرا»
واستمر هذا الحضور حتى في عز ازدهار الحضارة العربية الإسلامية أيام الأمويين والعباسيين، إذ كثيرا ما نجد الشعراء يشبهون تمايل جذوع النخيل بتمايل النساء وتدللها، وثقل قنوانها بالتمر باكتناز جسم المعشوقة وامتلائه، وطول النخل وسموه بجسم المرأة الحسناء الممشوق. قال بشار بن برد:
إنَّ البَخِيلَةَ لَو يَمِيلُ بِهَا الصَّبَى
كالقِنْوِ مَالَ عَلَى أَبِي الدَّحْدَاحِ(2)
فهو يشبه حبيبته وهي تتمايل بقنو النخل المتدلي على أبي الدحداح في الجنة(3).
ولقد رأينا سابقا كيف كانت النخلة مؤنسة عبدالرحمن الداخل في غربته بالأندلس، فعاشا غريبين هناك في رصافة الأندلس، وكان مرآها يهيج مشاعره، وكانت غربتها تذكره بغربته رغم مظاهر الملك والرئاسة، التي تخفي تحتها قلبًا رقيقًا غريبًا، ومن قوله فيها:
تَبَدَّتْ لنا وَسْطَ الرُّصافةِ نخلةٌ
تناءتْ بأرضِ الغَربِ عن بَلدِ النَّخلِ
فقلتُ شَبِيهي في التَّغرُّب والنَّوَى
وطُولِ التَّنائِي عن بَنِيَّ وعَن أهلِي
نشأتِ بَأرضٍ أَنتِ فيهَا غَريبَةٌ
فمِثلُكِ في الإِقصَاءِ وَالمُنتَأَى مِثلِي
أما في العصر الحديث فقد وظف الشعراء رمز النخلة للتعبير عن مشاعر متباينة، فنجدالنخيل بكثافتها وعتمتها شبيهة بعينَي حبيبة بدر شاكر السياب في مشهورته «أنشودة المطر» التي مطلعها:
عَينَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ
أَو شُرفَتَانِ رَاحَ يَنأى عَنْهُمَا القَمَرْ
(1) ـــ الزمخشري، محمود بن عمرو، جار الله: «أساس البلاغة»، مج 1، ص: 296.
(2) ـــ بشار بن برد: «الديوان»، تح/ الطاهر بن عاشور، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1954، ج2، ص: 128.
(3) ـــ أبو الدحداح ثابت بن الدحداح البلوي، صحابي جليل استشهد يوم أحد، وفيه قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - حديثه الذي كرره مرارًا: «كم من عِذْقٍ رَدَاح في الجنَّة لأبي الدَّحدَاح»، وقصته مشهورة مثبتة في كتب الحديث، انظر مثلا: الهيثمي: «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» ج04، ص: 263.