02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ١٦فإذا فسَّرنا الحرب بالمعنى التقليدي، أي باندلاع المعارك الميدانية بين طرفين، واستعمال مخلف الأسلحة القتالية من أجل تحقيق الغلبة على العدو، نجد أنَّ الحرب التيِّ يكون أحد طرفيها اللهَ القويَ القاهرَ فوق عباده لا محالة هو الغالب، لأنَّه لا يقوم لقوَّته أحد ولو حشر له جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، وجاء الملك معه صفًّا صفًّا مردفين، فكلُّ من حارب الله حورب، وكلُّ من غالب الله غلب، لأنَّ الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
أما إذا فسَّرنا الحرب بمعنى المكر سواء قام بها اليهود الذين ضربت عليهم الذلَّة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، أو قام بها غيرهم ممَّن نهجوا طريقهم فحقَّت عليهم لعنة الله، فإننا نجد الله تعالى يقول عن نفسه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ويقول: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ويقول: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ويقول: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} وقال: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ فالله تعالى قد تعهَّد هو بنفسه بإطفاء هذا المكر، الذي عبَّر عنه بنار الحرب وتدميرها بما شاء، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ومن ثمَّ فإنَّنا نجد أنَّ المعنى الذي يهمُّنا أكثر من بين هذه المعاني الثلاثة التيِّ تدل عليه كلمة الحرب هو الوارد في قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لأنَّه يهدِّد البشريَّة جمعاء، بله المؤمنين جماء، إن هم تمادوا في غيهم ولم يقلعوا، وأصرُّوا على ضلالهم ولم يرجعوا، وليس لهذه الحرب أمد معدود ولا مكان محدود، فهي قائمة ما قام سببها، ودائمة ما دام خصمها، لأنَّ الذي يديرها هو الله العزيز الجبَّار المتكبر الذي له جنود السماوات والأرض، وما يعلم جنوده إلاَّ هو، فليس لقوَّته حدٌّ ولا أمد، إنَّها حرب معلنة كما قال أصدق القائلين، على كلِّ مجتمع يجعل الرِّبا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. إنها حرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة على كلِّ الجبهات، ومفتوحة على كلِّ الاحتمالات في الدنيا والآخرة:
حرب على الأعصاب والقلوب، حرب على البركة والرخاء، حرب على السعادة والطمأنينة، حرب تسلط الجبابرة والعصاة بعضهم على بعض، حرب الفتن والظلم، حرب القلق والخوف، حرب الإملاء والفتح، حرب تقطع الأرحام تمزق البيوت، حرب الجرائم والموبقات، حرب الجراثيم والأمراض، حرب الخسف والزلازل وحرب الغرق والجفاف، حرب الحرائق والمناخ، حرب السلاح بين الأمم والدول والجيوش،