مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ١٧

وأخيرا حرب الخلود في نار وقودها الناس والحجارة ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

فأعجب لحرب مفتوحة يقودها الملك الواحد الديان، يثيرها على نفسه هذا الإنسان الضعيف فكان يسعى إلى حتفه بظلفه، لأنَّه يخوض حربًا استفزازية كما يقولون، لا يستفز فيها مخلوقا مثله أو دونه أو فوقه، وإنَّما يستفز من ناصيته بيده، خالقه وخالق الكون، ومن أمره بين الكاف والنون، كذلك يستفز المرابون ربَّهم ليصبَّ عليهم جام غضبه وعام عذابه، وهكذا يفعل المجنون بنفسه ما لا يفعل العدوُّ بعدوه، فمثلهم كمثل الذين ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بدلُّ أن يقولوا اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، وإن تعجب فعجب قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ وقديما قيل كيف يسعى في جنون من عقل.

أيها القارئ الكريم لنتساءل مرة أخرى ترى، فيم وردت هذه الحرب الشنعاء التيِّ أعلنها الله تعالى ورسوله في الآية،

1 - هل وردت في الشرك بالله وإن الشرك لظلم عظيم؟

2 - هل وردت في الكفر بمحمد رسول الله وهو الحبيب الكريم؟

3 - هل وردت في إنكار أصل من أصول الدين وما أجلَّها؟

4 - هل وردت في ترك ركن من أركان الإسلام الخمسة وما أعظمها؟

5 - هل ورد في انتهاك حقٍّ من حقوق العباد؟ هل وردت بشأن ارتكاب جريمة فظيعة كالقتل والزنى والحرابة؟ كلا، ففيم وردت إذن؟

لقد وردت في حقِّ ارتكاب محرَّم واحد من المحرَّمات الكثيرة التيِّ حرَّمها الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، إنه فاحشة الرِّبا وما أدراك ما فاحشة الرِّبا، الذي يخرب الذمم، ويدمر الأمم، ويترك الديار بلاقع، إنه لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الرِّبا، ولم يبلغ من التهديد في اللَّفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الرِّبا، في الآيات القرآنية الواردة في سور مختلفة، وفي السنة النبوية في أحاديث متنوعة ولله الحكمة البالغة. إن الله لم يعلن الحرب على ذنب مثلما أعلنه على الرِّبا، ففي القرآن الكريم يقول الغفور الرحيم:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا

١٥ / ٣٢٩