08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٤٣الأعمق، من الجزء إلى الكل، من المهم إلى الأهم … فالشعور بالانتماء الإسلامي يضم بالتأكيد الانتماء للأصالة العربية، كما أنَّ الانتماء للوطن الجغرافي ليس لغرض سياسي بقدر ما هو نابع من الشعور الديني الحاث على حبِّ الوطن والتفاني في الدفاع عنه، وحتى الشعور بالانتماء للأرض والقرية والمجتمع يثيره وازع ديني يحث على صلة القربى والوفاء بالفضل لأهل الفضل من الأجداد والأسلاف … فالشعور بالانتماء الإسلامي حاضر في جميع الدوائر والمستويات.
يقول الشاعر في قصيدة «براعم الحياة»، مستذكرا مراتع العلم ومرابع الطفولة، أيام الدراسة بمدرسة الحياة:
«حدِّثَانِي عَن حُسْنِها إنَّ نفسِي
ودَّعَتْ في رِحَابِهَا وقتَ أُنسِي
ذِكريَاتٌ مع الطُّفولَةِ فِيهَا
حَرَّكَتْ بالحنِينِ شِعِرِي وَنَفْسِي
حَدِّثانِي عَنْ كُلِّ ذَرَّةِ رَمْلٍ
بِحِمَاهَا وَكُلِّ درْجٍ، وَكُرْسِي
عنْ نُخَيلاَتِهَا تَسَامَتْ إِبَاءً
تَبتَغِي في السَّمَاءِ قُبْلَةَ شَمْسِ»(1)
فالنخيلات التي كانت ـ وما زالت ـ في فناء مدرسة الحياة نقشت صورة راسخة في ذاكرة الشاعر، إنها تذكره بالجذور وبالأصول، وهي في الوقت ذاته توحي له بالسمو في طلب المعالي؛ فكأن عقول التلاميذ الصغيرة التي تتطلع إلى نور العلم وإشراقة الحياة تجسِّدها هذه النُّخيلاتُ التي تتسامى في الجو تبتغي الهواء الطلق ونور الشمس. إنَّ الشعور بالانتماء للأرض ولمرابع الطفولة مهيمن على فكر الشاعر، ومهيمن خاصة في ديوانه الأوَّل (أغنيات النخيل)(2). إن عنوان الديوان هو تكثيف واختزال لحقيقة هذا الشعور بالانتماء؛ «كلمة ”النخيل“ تعني ”الانتماء“ إلى الأرض التي نشأ فيها وترعرع في أحضانها، وليست النخلة إلا مدخلا لعالم يفيض بكثافة نابضة بالألوان والأصوات والحركة، تؤدِّي إلى إحداث نغم متَّسق يلعب فيه الغناء دور المعادل المستمر لإحساسه، بهذا الحب لبلاده وهو في ديار الغربة»(3).
وإذا عدنا إلى الخطاب النثري المتمثل في نص إهداء الديوان، والذي يفيد القارئ في وضع بروتوكول لفهم سياق القصائد، فإننا نجده يؤكد معنى الانتماء تأكيدا
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، ص: 49.
(2) ـــ ديوان «أغنيات النخيل» أول دواوين الشاعر، أصدره سنة 1981، ونشرته الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.
(3) ـــ خذري، علي: «شعرية الانتماء دراسة في ديوان (أغيات النخيل) لمحمد ناصر»، مجلة الأثر، دورية محكمة تصدر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ورقلة. العدد 04، ماي 2005، ص: 166.