08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٤٤صريحا: «إلى التربة التي تُظِلِّها النخل بقاماتها الفارهة فأرتني الجمال طلعة متوَّجة بالنضارة، ويدًا بالخير معطاء … ( … ) إلى تلك التي علمتني بأنَّ الحياة أصالةٌ راسخة الجذور، وتفتُّحٌ يعانق أشعة النور … إلى مسقط رأسي. مع حبي الكبير»(1).
بعد قراءة هذا النص فإن الصورة تتَّضح بجلاء عن شعور الأديب بالانتماء لمسقط الرأس، وكيف أنَّ النخلة تعبِّر عن هذا الانتماء، وترمز لهذا الموطن الصغير الجميل وسط الصحراء الشاسعة المقفرة. في هذا الفضاء المكاني الذي اكتسى صفة روحية تشكلت شخصية الشاعر، ونمت أحاسيسه ومداركه:
في رِيَاضِ «الحياة» أنبتْتُ رِيشِي
فازدَهَى مِن يَدَيْك واشتَّدًَّ غَرْسِي
أَنَا مَا صِرْتُ في الحَيَاةِ مُقرٌّ
لَك بالفَضْلِ كُلَّ مَطْلَعِ شَمْسِ
كما أن النخلة تعد رمز الانتماء للوطن الكبير المفدى الذي ضحى من أجله الشهداء، وهذا الشعور الوطني القوي لا تعدم منه قصيدة من قصائد الشاعر، «مما يوحي بانتماء عميق تبدو صوره في كل ما له صلة بالوطن حتى ولو كان ذلك في أصوات الفنانين(2)؛ يقول في قصيدة لحن من بلادي:
«هاتِ يا أوتارُ من فنِّ بلادي أي فنِّ
أيُّ لَحنٍ صِيغَ من وحْي بلادي فهو لحنِي
يُدخل النَّشوةَ في قلبي وتَرضَى عنه أُذْني
لا تَسَلنِي أيُّ سرٍّ في الموسيقى لا تسلنِي»(3)
ولكن النخلة ـــ بالنسبة للشاعر ــــ تبقى هي الرمز الأمثل للوطنية الحق، الوطنية التي يؤمن صاحبها بنيل الحقوق بعد بذل الواجبات، وليست الوطنية المزيفة التي يدعيها أصحاب المصالح الآنية ممن يتخذون مفاهيم الوطن والثورة والشعب شعارات جوفاء لاستغفال الشعب والنيل من كرامتهم، يقول الشاعر في قصيدة بمناسبة رحلة قام بها أبناء كشافة الحياة بالقرارة إلى الجزائر مشيا على الأقدام سنة 1987، وسموها «قافلة مفدي زكريا»، فحرك اسم «مفدي زكريا» في الشاعر مواجع التاريخ الذي أراد بعض صناعه من السياسيين والانتهازيين طمسه وتغييبه:
اِيه «مُفدي» ولو جَفَتْكَ الليالي
كلُّ ليلٍ له، وإنْ طالَ، آخِرْ
اِيه مُفدي سيَّان ذكرٌ ونكرٌ
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، (ديوان أغنيات النخيل)، ص: 21.
(2) ـــ خذري، علي: «شعرية الانتماء دراسة في ديوان (أغيات النخيل) لمحمد ناصر»، ص:169.
(3) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة». (ديوان أغنيات النخيل)، ص: 58.