08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٤٥أنتَ مُفدي فما يُضِيرُكَ ناكِرْ
فجمالُ الوُرود عطرٌ وشوكٌ
وجمالُ الجميلِ خَافٍ وسَافِرْ
وجلالُ النخيلِ إِبْرٌ وتَمْرٌ
وكمالُ الغديرِ بَادٍ وحاضِرْ(1)
فزهرة النصر التي تفتحت في جويلية سنة 1962 إنما سقيت بدماء الثوار في ساحات المعارك وسجون الاحتلال، فلا حرية بدون تضحية ولا ثمر بدون زرع ورعاية:
زهرة النصر في «جُولِيت» سَقَاهَا
دَم «نُوفَمبَر» الأصيلِ الفَائِرْ
فازدَهَت في الغُصون زهرًا وتَمرًا
واستَوَتْ في السُّجونِ والظُلمِ سَادِرْ
كيف يَسمُو النخيلُ دون جذُور
كيف تدنُو الثمارُ دون أزاهِرْ
النخلة في شعر محمد ناصر تمثل الانتماء الأصيل والوفي للوطن الضيق أو مسقط الرأس، وتمثل الانتماء الأصيل الواعي للوطن الكبير الجزائر، كما نجدها تجسد الانتماء القومي العميق للوطن العربي الإسلامي الكبير، فكأن قيم العروبة والإسلام نخيل باسقات في أرض المغرب بينما تضرب جذورها في منابع الفكر والحضارة مشرقا:
يا ابن زيد(2) هويتُ فيك اقتداءً
بخطَى "المصطفى"، ونورَ القُران
( … ) إنه النخلةُ الأصيلة، في الغرب
جنَّةً، وفي الجذور عُمَانِي(3)
وتمثل النخيل بقاماتها السامقة وبعطائها العميم أعلام الأمة الإسلامية وعلماءها الذين يصل عطاؤهم المشرق بالمغرب، يقول الشاعر في معرض حديثه عن الشيخ نورالدين السالمي العُماني (و:1867هـ/ ت: 1914م) والشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري (و:1821هـ/ ت: 1914م):
«وهما نخلتانِ مهما تَنَاءَتْ
حبَّبَتْهَا إلى النفُوسِ الثمارُ
قَدَمٌ فِي الثرى أصيلٌ ورأسٌ
في سماءِ العُلى عَلاه اخضِرَارُ
عجبًا تلتقِي البَصائِرُ حُبًّا
دونَ أنْ تَلْتقِي بها الأبصارُ»(4)
ونخلة الشاعر هي عنوان تحدي الأمة وإبائها؛ عنوانُ العربي المسلم الذي لا يرضى الضيم والهوان .. هذا ما نجده حاضرا متكررًا في عدد من قصائد الشاعر، فهو يقول مخاطبا «نخلة» ببلاد الرافدين إبَّان حرب العراق سنة 1991، في مقاطع من قصيدة:
(1) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله» (ديوان شعر)، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1991. ص: 45.
(2) 1 ـــ هو الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني، إمام المذهب الإباضي.
(3) ـــ ناصر، محمد: «ألحان وأشجان»، ص:23.
(4) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله»، ص: 56.