مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٤٦

يَا نَخْلتي بالرّافدَينِ تمدَّدي

في أفْقِ أمتيَ الجريحَةِ عَاليه

يَا نَخْلتي، نَظَري كَلِيلٌ، لنْ يُطَا

وِلَ رأسَكِ العَالِي وأنْتِ مِثالِيَه

يا رمزَ أمتيَ الشَّهيدةِ في العرا

قِ، تُقاوِمين سُمُومَ ريحٍ عَاتيه

يا رَأْسِيَ المَرْفُوعُ، أنْتِ وهَبْتِ لِي

زُغْرُودَةَ المِيلاد تَصْدَحُ ثَانيَه

وَوَهَبْتِ أمتيَ السَّجينَة نَبْضَهَا،

والحاكِمون بها عتاةُ طَوَاغِيه(1)

النخلة رمز العزة والكرامة:

لقد رأينا كيف تُجسِّد النخلة في أدبيات الشاعر محمد ناصر معاني الانتماء بدوائره المتدرِّجة ضيقًا واتساعًا. ولاحظنا أنَّ هذا الانتماء كان في جميع الأشعار التي أوردناها انتماءً مُحاطا بهالة من العزَّة والكرامة، فالنخلة متمنِّعة في خلقتها وهيئتها، متمنِّعة عن أيدي المتطفلين برفعتها وسموِّها، ومتمنِّعة عن أيدي المقتحمين والغاصبين بإبرها وأشواكها.

وإذا تأملنا المعجم الشعري للشاعر محمد ناصر نجده كلما تناول معاني: الإباء والكبرياء، والمنعة والأنفة، والكرامة والعزَّة، والتحدّْي والشموخ، والسمُو والصمود … فإنها سرعان ما تستدعي إلى مخيلته تلك الشجرة التي تجسّْد جميع هذه المعاني، فتتحوَّل النخلة إلى «مُعادل موضوعي» يختزل جميع هذه الصور التي يعجز لسان الشاعر عن التعبير عنها، أو يضيق مجال الشعر عن رصدها ورصفها.

يقول محمد ناصر في إحدى خواطره المطوَّلة معبِّرا عن هذه المعاني باسترسال ووضوح لا يتسنى له بسطه في الشعر: «أنت يا شجرتي الطيبة الرمزَ الأبديَّ الذي سيظل خالداً يتحدَّى الأزمات والمحن، أنت يا نخلتي الصامدة المثال الحيَّ الذي يتمدَّد في أعماق كل كادح، وأنت تواجهين سنوات الجدب والقحط، أو تستقبلين أيام النظارة والرخاء. عندما أنظر إليك وأنت تعانقين السماء في شموخ وكبرياء، متعالية في أنفة واعتزاز، يتضاءل أمامي كلُّ جبَّار أعمته السلطة، ويتقزَّم كلُّ ظالم أسكرته نشوة النفوذ، لأنَّ في شموخكِ كبرياءُ البذل والعطاء، وفي تكبُّرهم جبروت الحقد والكراهية … »(2).

النخلة من خلال هذا القول، هي شجرة الشاعر الأثيرة، فتعبير «شجرتي الطيبة» فيه مزج بين شاعريةالذات بتوظيف ياء النسبة، وبين مثير دلالي آخر هو «الطيبة»، ففي التركيب الأول

(1) ـــ ناصر، محمد: «ألحان وأشجان»، ص: 8، 9.

(2) ـــ ناصر، محمد: «الشجرة الطيبة، أو خواطر حول الأزمة» (إلى كل كادح يواجه الأزمة بصبر وإيمان)، ضمن ديوان «في رحاب الله». ص: 70.

١٤٤ / ٣٢٩