08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٤٧«شجرتي» إبراز الخصوصية والتعلق الوجداني بالنخلة، وهذا التعلق يكتسي صفة القداسة إذ يُعتبر تريكب «الشجرة الطيبة» تناصًا ديني مع الآية القرآنية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 24، 25]. ومن خلال هذا التعلق التركبي «شجرتي الطيبة» فإنَّ العلاقة بين الشاعر والنخلة تكتسب «قداسة» الكلمة الطيبة التي تجسدت في الآية الكريمة بصورة النخلة(1).
وتظل النخلة في قصائد الشاعر رمزا للكرامة والكبرياء والعزة، حتى في أحلك الفترات التي يمرُّ بها المسلمون، وتمرُّ بها بلادهم العربية والإسلامية. وإذا كنا رأينا كيف يمثل رمز «المئذنة» ثبات المسلمين وجهادهم من أجل دينهم، فكذلك تقترن صورة «النخلة» بالمئذنة في عدد من قصائد الشاعر، ليشكل الرمزان وحدة صلبة بين معطى الأرض (النخلة) ومعطى السماء (المئذنة) مثالا للتضحية في سبيل الحق، والاستمامتة في الذود عن الأوطان، يقول الشاعر في قصيدة بعنوان «رسالة مفتوحة إلى بدر شكر السياب»:
«النَّخلُ في أرض العراقِ، تعيشُ في مُقَلِ الصِّغَارْ
قد تظمأُ الأنْهارُ، وهْي بصَبْرِها تهَبُ الرَّبيعَ الاخْضِرَار
حتَّى وإنْ صَامَ الفُراتُ، وماءُ دَجلةَ جفَّ مِنْ حِمَمٍ ونَارْ …
لنْ تظمأَ النَّخْلاتُ في أرضِ الشَّهادةِ والفَخَارْ …
لأنَّها هِيَ وحْدَها أمُّ السَّحائب …
تُبْدِعُ الأمْطَارَ،
تُنجِبُها وتَختَصِر البحارْ
(1) ـــ اتفق اغلب المفسرين على أنَّ الشجرة المذكورة في الآية الكريمة هي النخلة، انظر مثلا: ابن كثير، إسماعيل بن عمر: «تفسير القرآن العظيم»، تح/سامي بن محمد سلامة، دار طيبة. ط2. 1420، 1999. ج4، ص: 491.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلا، وَلا، وَلا … تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لأنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا». رواه البخاري: «صحيح البخاري» ج14، «باب: قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾».