مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٤٨

النَّخلُ في بغدادَ، تعْلو كالمآذنِ شامخاتٍ لا يُدَانيها انْكِسَار»

لجأ الشاعر في هذا المقطع إلى المفارقة اللغوية في تصوير ثبات النخيل ودلالته عن عزة الإنسان العراقي وكبريائه، فالأصل أن تحتاج النخيل إلى الري من نهري دجلة والفرات، ولكن هذين النهرين لم يصمدا أمام الطغيان، فصام أحدهما وجفَّ الآخر، وإذا بدورة الطبيعة تنقلب، وإذا بالنخلة تَهَبُ الأرض حياة الربيع والاخضرار، وإذا بها تبدع منابع الماء من البحار والأمطار .... النخلة إذا واهبة للحياة، وهي عند الشاعر آخر الصامدين المُضحِّين، ولا يصمد معها إلا المآذن عندما يُقهر الجميع في العراق:

«النَّخلُ في بغدادَ، تعْلو كالمآذنِ شامخاتٍ لا يُدَانيها انْكِسَار»

على أن المستوى الصوتي في هذا المقطع يعضد فكرة السمو والرفعة والاعتزاز، فلقد لجأ الشاعر إلى استعمال الحروف المدودة مرارًا، فلا يخلو بيت منها، (العراق، الصِّغار، الأنهار، الاخضرار .. ماء، نار، الشهادة، الفخار .. السحائب، الأمطار، البحار .. المآذن، شامخات، انكسار … )، هذا المد المتكرِّر يناسب «تمدد» النخلة في السماء، فرسم الألف المممدوة يشبه رسم النخلة الثابتة الراسخة. ويرد هذا المدُّ مقترنا عادة بحرف الراء، فقصيدة الشاعر جاءت في سياق الحديث عن الهزائم والنكبات المتتالية التي أصابت العراق، وحرف الراء كما نعلم حرف ذلقي جهوري منفتح يصدر بارتعاد طرف اللسان أكثر من مرَّة، ومن صفاته التكرار، فلذلك يوحي بتكرار المأساة واستمرارها واستقرارها. ومن هنا جاءت مناسبة المد للراء في هذه القصيدة من حيث أن النفَس يشغل وقتا أطول لإصدار هذا الصوت، مما يتيح انفتاحًا ومتنفسا أكبر للشاعر، وهو ما يخدم الحالة الشعورية والعاطفية العامة الطاغية في القصيدة.

النخلة رمز للثبات على المبادئ:

إن هذه الصورة هي أقرب الصور إلى ذهن القارئ، صورة النخلة منتصبة سامقة بجدعها الطويل الذي يمتد لعدَّة أمتار في السماء، ويحمل عاليا ذلك الثقل من السعف والعراجين … لابد وأن يكون له رسوخ عظيم في الأرض، وتشبت قوي يحول دون العواصف والرياح وعوادي الزمن. هذه الصورة الطبيعية القريبة وشبه البديهية كانت أكثر صور النخلة حضورا في شعر الأديب محمد ناصر. على أن صورة الثبات على المبدأ التي تجسدها النخلة بوضوح وتلقائية تختزل وتضم جميع الرموز التي أشرنا أو سنشير إليها؛ فلا «انتماء» بغير إيمان بثوابت راسخة، ولا «عزة» ولا «كرامة» بغير التمسُّك بالأصول والدفاع عنها، كما أن الكد والاجتهاد منوط بالصبر والمجالدة ولزوم العمل … فهذه الصورة الطبيعية للنخلة الراسخة الثابتة هي أقرب ما يتبادر إلى الذهن عند التعرض لجميع هذه المعاني.

ثم إن النخلة لا تجسد مفهوم الثبات والاستقرار من خلال هيئتها الطبيعية الواضحة للعيان فحسب، فقد تُنازعها هذه الصفة باقي الأشجار، بل نجدها تتمتَّع وحدها بهذا المعنى من خلال ما يُفهم من النص القرآني المقدَّس الذي كرَّمها وخصَّها بالطيبة والرفعة دون باقي الشجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم 24].

وظَّف الشاعر النخلة لتصوير مبدأ الثبات على المبادئ في عدد كبير من قصائده، وكثيرًا ما استعمل هذا الرمز اختزالا لصور الوفاء للسلف الصالح، والمحافظة على الثوابت والأصول.

يقول الشاعر في قصيدة إلى مربي الجيل الشيخ عدُّون(1) مشبها آثاره وأفضاله بالنخلة المعطاء:

«إن يَنْطَلِقْ قَلَمِي فَإِنَّ الفَضْلَ فِيـ

ــــهِ مُلَقِّنِي يَومًا حُرُوفَ الأبجَدِيَّة

والنَّخلةُ الفَيحَاءُ غَرسُكَ وَالِدِي

وَوَقَارُ صَوتِكَ لَم يَزَلْ في مَسْمَعَيَّه»(2)

كما يحضر هذا الرمز بقوة في قصيدة ألقاها الشاعر في الحفل الذي أقيم احتفالا بختم الشيخ بيُّوض تفسير القرآن، بعد خمسين عامًا من الجهاد في رحاب القرآن:

«يا واحةَ الإسلامِ ضُمِّينَا نَخيلاً

عانَقتْهَا فِي الإبَاءِ سماءُ

ثبتَتْ لِهزَّاتِ العواصِفِ أصلُهَا

مُتمكِّنٌ، وفُروعُهَا شمَّاءُ

تهبُ الرَّبيعَ هديلَ ورْقاءٍ فإنْ

جاءَ الخرِيفُ فكفُّها مِعْطاءُ

يا واحةَ الإسلامِ حبّكِ دافقٌ

بِدمِي ينَمِّيهِ هوًى ووفاءُ»(3)

في هذا المقطع تتحول الرابطة الإسلامية إلى واحة يعيش المسلمون في كنفها، ويكون فيها المسلمون كالنخيل لهذه الواحة، فحياتها بحياتهم وبقاؤهم ببقائها، فالواحة فيها الخير العميم المستديم، بفضل عطاء النخيل فيها، بمعنى أنَّ واحة الإسلام تسمو وتزدهر بتضحيات أبنائها وجهودهم. ولكي يتحقق هذا العطاء فإنَّ النخيل ينبغي أن تثبت أولا وتتمكن جذورها، ولهذا فإن الإسلام يسقي هذه

(1) ـــ الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي الملقب بالشيخ عدُّون، أحد أعلام الحركة الإصلاحية في جنوب الجزائر، (و: 1902هـ/ت: 2004).

(2) ـــ ناصر، محمد: «الخافق الصادق» (ديوان شعر). نشر دار الريام، ط 1، 1430هـ/ 2009م. ص: 54.

(3) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 07.

١٤٦ / ٣٢٩