مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٤٩

الجذور ويرويها فيشتد عود النخل وويروق ويثمر. وإذا تأملنا العلاقة بين الشاعر وبين الرابطة الإسلامية وجدناها علاقة حب عميق؛ ويؤكد المستوى الصوتي في المقطع هذه الرابطة الإسلامية القوية والمتينة، وما يحسه تجاهاها من عاطفة رقيقة حانية في الآن نفسه، فإذا تأملنا البيت الأول مثلا نجد تكرار حروف الياء والميم والنون أحد عشر مرَّة، وهذه الحروف كلها لينة شفوية أو من وسط اللسان، ما ألقى بظلال من الرقة واللين على البيت، كما أن الحروف الممدودة لا تغادر أي كلمة من كلماته: «يا»، «واحة»، «الإسلام»، «ضمينا»، «نخيلا»، «عانقتها»، «في»، «الإباء»، «سماءُ»، فالحروف الممدودة تترك إيقاعا موسيقيا خاصا، وإذا كانت الحروف لينة فإن الإيقاع سوف يكون هادئا لطيفا. هذا الإيقاع سوف يتغير فجأة في البيت الثاني عندما يتحول إلى القوة والشدة والحزم، فلا نجد حضورًا لحرف الياء الليِّن مطلقا، أما حرفي النون والميم فقد تكرَّرت مجتمعة أربع مرات فقط، مقابل حضور قوي لأصوات أخرى تحدثها حروف صفيرية كالصاد والزاء، أو جهرية كالعين والراء، والشدة المتكررة مرتين في كلمات «هزَّات» و «متمكِّن» و «شمَّاء»، فإنها كلها تحدث إيقاعا قويا حازما وشديدا. من خلال ما سبق نستخلص أن عاطفة الشاعر تمتزج فيها حالتان؛ حالة الرقة واللين والهدوء، وحالة الشدَّة والحزم والقوة، وهذا ما لمسناه في شعور الشاعر بالرابطة الإسلامية: قوَّة ومتانة في رقة وهدوء.

وفي الحقيقة سوف نرى أن هذه الثنائية (ثنائية الرقة والشدة) التي تبدو مفارقة، هي الصفات العجيبة للنخلة ذاتها، يلاحظ الشاعر ذلك مخاطبا إياها في إعجاب: «وعجبتُ لحضنك الدافئ الذي يجمع بين المَنعة والحنان … منيعٌ في عليائه المسيَّج بالسعف والإبر الحادَّة، حنونٌ إذ يحتضن أعشاش الطمأنينة والسعادة للعصافير والحمائم»(1).

وإذا تأملنا المعجم المستعمل في المقطوعة الشعرية السابقة وجدنا هذا التناغم الحكيم بين الحزم واللين في التعبير عن الثبات والمحافظة على القيم والمبادئ مغلفا بالحبِّ والوفاء والرقة: «إباء»، «متمكِّن»، «شمًّاء»، «هزَّات»، «عواصف»، مقابل ألفاظ: «ضمِّينا»، «عانقتها»، «الربيع»، «معطاء»، «حبُّك»، «هوى»، «وفاء» …

فقضية الثبات على المبادئ ليست تعصُّبا مقيتا، ولا جمودا أو تقليدا أعمى لما درج عليه السلف، على نسق ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف 23]، بل إن ثبات الشاعر على المبادئ والأصول كان عن وعي وحب ووفاء، ثبات فيه الأصالة والتفتُّح كما تمدُّ النخلة

(1) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 71.

١٤٧ / ٣٢٩