مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٥١

جذورها في أعماق الأرض ليمتد فرعها في السماء مورقا متفتحا مثمرا. يقول في قصيدة يربط فيها عرى المحبة والاحترام بين الأبناء الآباء اعتزازًا بالسلف الصالح وسيرا على منهجهم، ضمن المجلس العائلي الذي يضم أحفاد وأسباط والد الشاعر صالح بن سليمان ناصر:

«يَا أَبَانَا وَأنتَ بالخَيرِ حَيٌّ

يَشهَدُ اللهُ والملائِكُ تَتْرَى

أنَّ بَذرًا غَرَسْتَ حُبًّا وَتقَوى

وسَقَيتَ الغِرَاسَ حَزْمًا وصَبرًا

قَد نَمَا اليومَ في حِمَى اللهِ نَخْلاً

أَحمَدِيًّا يَجُودُ ظِلاًّ وَتَمْرَا»(1).

فالأعلام من السلف ـ كما رأينا سابقاـ ليسوا هم فقط النخيل بل وكذلك الأبناء والأحفاد، فهم أبناء هذه الواحة الغنَّاء، وهم الخلف الصالح للسلف الصالح، وهم غراس الحب والتقوى الذي سقي بماء الحزم والصبر، وجيل من الأبناء هذا هو منبته وأصله سيكون بالتأكيد جيلا مؤمنا «أحمديا» صالحا يجزل عطاءه ويردُّ جميل أسلافه، كما تفعل النخلة بارتفاعها في السماء يُستظلُّ بظلها وينتفع بتمرها.

ولعل أوضح مثال نختم به الحديث في رمزيةالنخلة عن الثبات على المبادئ، الثبات الواعي الأصيل والمتفتح في الآن نفسه وغير المنغلق الجامد، أبيات من قصيدة «المجد أنت مجاهدًا وموسَّدا»، ألقاها الشاعر في الذكرى الخامسة لوفاة الإمام الشيخ بيوض، جاء فيها:

«النًّهرُ صَوتُكَ هَادراً أو هَادِئًا

والأرضُ شعبُكَ أنتَ فيهِ الماءُ

روَّيتَنَا آيَ البَيَانِ مِن الكِتَاب

فَشَبَّ في واحاتِنَا البُلَغَاءُ

فهُمُ النَّخيلُ أصَالَةً وتَفَتُّحًا

وهُمُ الغَديرُ تُحبُّّهُ الصَّحرَاءُ»(2).

لقد استطاع الشاعر أن يوظف ببراعة مفهوم «الأصالة والتفتح» الذي يبدو مستهلكا ومبتذلا بكثرة التداول والاستعمال، استطاع من خلال ربطه برمز النخلة أن يمنحه حياة جديدة، وأن يعطيه معنى واقعيا ملموسا ومشاهدا، فالنخلة التي تسقى بماء مبارك ويُبذل في تنميتها الجهد والمال لسنوات طوال، تمتد جذورها عميقا في الأرض لترتفع عدة امتار متفتحة على الشمس والهواء، وهي بعد ذلك تعمِّر بهذه الصفة سنين طويلة قد تمتد عقودا، وما كان ليتحقق لها ذلك لولا الأصول الثابتة والجذور العميقة المتغلغلة في أعماق الأرض.

يُفصح الشاعر محمد ناصر عن هذه الصورة المعبرة عن الأصالة والتفتح في خواطره عن الأزمة الاقتصادية، فيقول:

(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة». ص: 435.

(2) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 42.

١٤٨ / ٣٢٩