08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٥٢«كم تمعَّنتُ في جذعك الراسخ في أعماق أرضنا الطيِّبة، فلمحتُ في هذا الرسوخ امتدادًا أصيلا لحضارة إسلامية عريقة، سقاها الأجداد بالدم والعرق، وقرأت في ثباتك سورًا من الثبات الإيماني الذي لا تزعزعه عواصف الشمال والجنوب … »(1).
النخلة رمزًا للكد والكفاح:
النخلة في أدبيات الشاعر محمد ناصر ترمز ـــ من بين ما ترمز إليه ـــ إلى للكد والكفاح والاجتهاد، وأنَّ الحقوق لا تُنال إلا بأداء الواجبات، فالنخلة قوية صامدة متسامية عن أيدي المتطفلين والوصوليين، لا تهب تمرها وعسلها إلا العاملين الكادحين ممن يغامر بتسلق جدعها الفارع، فيتعلق بسعفها متحديا وخز الإبر الحادة، لينال من قلبها المعطاء رُطَبا طريا شهيا.
ولا يحتاج المرء إلى شديد عناء ليدرك أن ذكر «الرُّطب» في القرآن الكريم لم يرد إلاَّ مرة واحدة، وكان وروده مقترنا بالحركة وبذل الجهد، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم، 25] فمن حكمته تعالى قرن حصول مريم عليها السلام على الرطب الجني بهزِّ جدع النخلة، وكان بالإمكان أن ينزل عليها بدون جهد أو عنت؛ وهي في حال المخاض في أقصى حالات الشدة والعناء … ولعل من الحكم الإلهية في هذه الآية تعليمنا الاعتماد على النفس وبذل الجهد في الكسب ثم التوكل على الله، وما أحسن ما قال الشاعر:
ألَم تَرَ أنَّ الله أَوحَى لِمَريَمٍ
وَهُزِّي إِلَيكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ
وَلو شَاءَ أَحنَى الجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ
إِلَيهَا، وَلكِن كُلُّ شَيءٍ لَه سَبَبُ
يقول الشاعر محمد ناصر في خواطره عن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالجزائر أواسط الثمانينيات بعد سنوات من رفاهية النفط الزائفة: «أنت يا نخلتي الصامدة المثال الحي الذي يتمدَّد في أعماق كل كادح وأنت تواجهين سنوات الجدب والقحط، أو تستقبلين أيام النظارة والرخاء ( … ) كم أرسلت بصري متعلِّقا بعراجينك الذهبية وقد تدلَّت في زهو وخُيلاء بين الإبر الحادة والسعف المتشابك، فأتيقن أنَّ النجاح طريق وعر يصعد إليه المكافحون بين أشواك المصائب والأزمات، وأتعلم أنَّ الذي يكتفي بما تلقيه الريح من تمر متساقط في حوضك إنما هو إنسان كسول، تعوَّد التقاط القوت من فضلات الكادحين، وأنه يحمل نفسا مسترخية مريضة لا تأنف من أن تحصل على الكسب من طرق الاختلاس والاحتيال ووسائل
(1) ـــ م ن. ص: 71.