مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر

الجزء ٩ · صفحة ١٥٣

السطو والرشوة»(1).

كتب الشاعر هذه الكلمات الصريحة عن قوم عرفتهم الجزائر يعيشون على عرق الكادحين باسم الاشتراكية ومحاربة الاحتكار، ولقد عاش الشاعر تجربة مريرة مع هؤلاء اللصوص الوصوليين «الرسميين» في قضية عرفت بقضية آل ناصر، حين سطا لصوص السلطة ظلما وعدوانا على أموال وتجارة كانت له مع بعض إخوانه، وكان ذلك بدعوى نقص المواد في السوق، وأنَّ «أسواق الفلاح» الحكومية لم تجد ما تبيعه للمواطنين! ولم يكتفوا بذلك بل قام المدعي العام بسجن شركائه أربعة أشهر قبل محاكمتهم …(2). ولعل هذه القضية قد حرَّكت في الشاعر معادلا موضوعيًا يختزل جميع هذه المشاعر، فكانت النخلة هي ذلك المعادل، معبِّرة عن الكدح والكفاح من أجل العيش الكريم بصبر وثبات، ومعبِّرة في الآن نفسه عن الطفيليين الكسالى الذين يقتاتون من عرق الكادحين، كأولئك الكسالى الذين يأنفون بذل الجهد وتسلق النخيل لجني التمر مكتفين بما يقع في حوضها أو بما يسطون عليه مما جناه المتسلقون بجد ونشاط.

كانت قضية «آل ناصر» بالنسبة للشاعر مثيرة لمشاعر منتفضة ضدَّ الظلم والابتزاز، ولقد وجد في صورة النخلة الصامدة عزاء ومثالا للتصبر والمؤاساة، والثبات على الفضائل والأخلاق أمام الانتهازيين والمتطفلين، متمثلا قول الشاعر:

«كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا

يُرمى بصخرٍ فيلقي أطيب الثمر»

قال الشاعر في قصيدة «الحمام المقفوص، "أو مظلمة لمن يهمه الأمر … "»:

«سنورِيهِمْ كَيْفَ يَسْمُو النَّخِيلُ،

ولو عَصَفَت ريحُهُمْ عاتِيه

ونَزهُو بأثْمَارِنَا اليَانِعَاتِ

ونحتَضِنُ الأيْدِيَ الجَانِيه

ونُؤْوِي الحمَامَ بِدِفْءِ الَحَنَا

نِ، وتَعْشَق ألحانَنَا السَّاقيه

فأَخْلاَقُنَا مِثْلَ «دَقْلَتِنَا»

مذَاقَتُها حرَّةٌ صَافِيه»(3)

لقد تعلم الشاعر من النخلة درسا واضحا في الكد والكفاح والوصول إلى الحقوق بتأدية الواجبات إن على الصعيد الشخصي ـــ وقد رأينا قصته مع اللصوص الغاصبين ـــ إن على الصعيد العام، الوطني والدولي؛ فقد تعلم الشاعر من النخلة بأن الثروة الحقيقية هي الثروة التي يكسبها الإنسان بعرق جبينه وكد يده، وأن المال

(1) ـــ م ن. ص: 70، 71.

(2) ـــ انظر تفاصيل الحادثة عند: ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، ص:188. (الهامش).

(3) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 34.

١٥٠ / ٣٢٩