08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٥٤السهل الذي يأتي سريعا يذهب سريعا. ولقد تأمل الشاعر الأزمة الاقتصادية العالمية ورأى كيف توجعت دول «الترف النفطي الزائف» من ضرباتها الموجعة، فكانت النخلة ـــــ هذه المرة كذلك ــــ معادلا موضوعيا لأفكار عبر عنها نثرا قائلا:
«أنت أيتها الشجرة الطيبة مثالٌ للاعتبار، ودروسٌ للادِّكار، وتأكيدٌ لا يقبل الشكَّ أو الجدل على أنَّ الثراء الحقيقيَّ لا يُستورد، وإنَّما هو يتفجَّر من بين الأصابع والأدمغة الكادحة، وأنَّ الازدهار الاقتصاديَّ لا يُسقى بالغاز والبترول، وإنَّما يُسقى بعرق الكفاح والعناء، ولا يُستنبت بالشعارات والخطب وإنَّما يُفجِّره الماء الذي يسري في سكون وتواضع.
( … ) أنتِ أوحيتِ لي بأنَّ الترف الحضاريَّ هو مصيبتنا؛ لأنه أصاب أيدينا بالنعومة فخافت إبر النخل وشوك الليمون، وشلَّ عقولنا عن الاختراع والإبداع، حين شغلها بالتلفاز والفيديو والسنما، وقيَّد أرجلنا عن السعي والعمل الميداني الجاد، إذ عوَّدنا الاسترخاء وراء المكاتب الفارهة، والمقاعد الوثيرة، أوهمنا أنَّ الحضارة كأسٌ وسيجارة، ليزيد إلى عبوديتنا الفكرية للغرب عبودية لشهواتنا وأهوائنا. وقذف في قلوبنا رعب الأزمة ليتحكَّم في قوانا العقلية والنفسية».
النخلة رمزًا للأنوثة والجمال:
لقد سبق وأن أشرنا في معرض حديثنا عن النخلة في الأدب العربي القديم والحديث، أن النخلة قد جسَّدت لدى كثيرين منهم صورة المرأة بعطائها اللامحدود، صورة المرأة واهبة الحياة والدف والحنان، ومع ذلك فإن نخلة الشاعر محمد ناصر هي فوق كل ذلك رمزٌ للجمال الطاهر النقي، نجد هذه الصور حاضرة في عدد غير قليل من قصائد الشاعر، ويكفي أن نذكر عناوين قصائد مثل: «براعم الحياة»، «في رحاب الله»، «وادي الأعلى»، «الحمام المقفوص» .... وتبقى قصيدة «بين النخيل» التي طالما تغنى بها المنشدون في ميزاب أفصح مثال على رمزية النخلة للجمال والحسن، كما أرجو أن لا أكون مجانبا الصواب إن قلت بأن قصيدة «شجرتي الطيبة» تعد أحسن مثال لما ترمز إليه النخلة من الأنوثة والحنان، وردت هذه القصيدة في ديوان البراعم الندية موجَّهة لفئة عمرية محدَّدة مازالت مفاهيم الأمومة والحنان والعطف متجذرة في كيانها صافية نقية. وهذه مقتطفات من القصيدة:
فَرْعَاءُ يَاجَمِيلَة
يَا جَنَّتِي الظَّلِيلَة
هَوَاكِ لَسْتُ أَرْضَى
بِهِ هَوَى بَدِيلاَ
مَلأْتِ فِي صَبَايَا
يَدَيَّ بِالَهدَايَا