08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٥٦الصحراء، تغدو رمزا للخصب والحياة، ومن خلالها يؤكد الشاعر صورة التمسك بالحياة، أنها الرمز المكثف لكل ما فينا، لذلك يجد الشاعر فيها الحضن الوديع له ولأسرته، والأنيس في وحدته، والجنة والنجمة … إنها كالأم التي تعطي بغير سؤال، وتغدق على أبنائها عطفا غريزيا كثير النوال … فلذلك كان هواها عند الشاعر سرمديا مفضلا لا يرضى عنه بديلا.
ولقد قدح لنا بقراءة قصيدة «شجرتي الطيبة» أن هناك تناصًّا خفيا وتشابها بينها وبين قصيدة جميلة لشاعر لا نستبعد أن يكون محمد ناصر قد قرأ له وتأثر بشعره في بعض مراحل حياته، وهو الشاعر المصري علي الجارم (1881ـــ1949)، فقد كتب في مدينته (رشيد) التي يحبها قصيدة مشهورة مطلعها:
جدّدي يا رشيدُ للحبّ عَهْدَا
حَسْبُنا حسبُنا مِطالاً وصدَّا
وكانت نخيل رشيد هي أبرز ما تعلق به الشاعر وظهر جليا في قصيدته، ونخيل الجارم عذارى مرسلات شعورهن يلهو بها الريح، وعراجين البلح الأصفر عقود عقيق تزين بها أجيادها، وهي إن تتمايل في الريح تمايل العذارى اقترابا وابتعادا … يقول الشاعر في بعض أبياتها:
والنخيلُ النخيلُ أرخت شعوراً
مُرسَلاَتٍ ومدَّت الظلَّ مدّا
كالعذارَى يدنو بها الشوقُ قُرْبًا
ثم تنأَى مخافة َ اللّومِ بُعْدَا
حول أجيادِها عقود عقيقٍ
ونُضارٍ صفاؤُه ليس يصدا
إلى أن يقول:
بكِ أهلي وفيكِ مَلْهَى شبابي
ولكَمْ فيكِ لي مَراحٌ ومَغْدَى
قد جَزيْناكِ بالحنانِ حَناناً
وجزينا عن خالصِ الوُدِّ وُدَّا(1)
نلمس في البيتين الأخيرين التشابه بين نص الشاعر الجارم ونص الشاعر ناصر الذي قال:
لَكَمْ أَنَسْتِ وَحْدَتِي
وَكَمْ حَضَنْتِ أُسْرَتِي
وَضَمَّنَا فِي حِضْنِكِ الوَ
دِيعِ أَلْفُ فَرْحَة(2)
فالنخلة في شعر محمد ناصر رمز للأنوثة والجمال، إنها رمز للمرأة واهبةالحياة والعطف والحنان، للمرأة الأم خاصة، التي تضع نفسها على مشارف الهلاك لتهب العالم مولودا جديدا ويوما سعيدًا … النخلة هي الأم بكل قدسيتها التي لا يستطيع المرء تأدية حقها ولو بزفرة واحدة من زفرات مخاضها.
(1) ـــ الجارم، علي: «ديوان علي الجارم»، نشر دار الشروق، مصر، ط2، 1990، ص:43.
(2) ـــ ناصر، محمد: «البراعم الندية (قصائد وأناشيد للأطفال والفتيان)». ص: 18.