08 جهلان - رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر
الجزء ٩ · صفحة ١٥٧ونجد صورة النخلة رمز التضحية والفداء حاضرة بقوة في إحدى قصائد الشاعر محمد ناصر التي أهداها سنة 1991 إلى شعب العراق من خلال شاعره الكبير بدر شاكر السياب (1926ــــ1964)، بعنوان: «رسالة مفتوحة إلى بدر شاكر السياب». ولقد رأينا من قبل علاقة السياب بالنخلة، وكأن هذه العلاقة الوطيدة هي التي دفعت الشاعر محمد ناصر ــــ عاشق النخلة ــــ لأن يتخذها خطابا و «شفرة» متفقًا عليها بين الشاعرين، وبين الشعوب العربية الإسلامية جميعا، ومما جاء فيها:
النَّخلُ في أرضِ العراقِ، تعيشُ في مُقَلِ الصِّغَارْ
قد تظمأُ الأنْهارُ، وهْي بصَبْرِها تهَبُ الرَّبيعَ الاخْضِرَار
حتَّى وإنْ صَامَ الفُراتُ، وماءُ دَجلةَ جفَّ مِنْ حِمَمٍ ونَارْ …
لنْ تظمأَ النَّخْلاتُ في أرضِ الشَّهادةِ والفَخَارْ …
لأنَّها هِيَ وحْدَها أمُّ السَّحائب … تُبْدِعُ الأمْطَارَ، تُنجِبُها وتَختَصِر البحارْ(1)
فنخلة الشاعر أمٌّ تهب الحياة وتنجب أسبابها، ولأنها تهب الربيع الاخضرار، ولأنها صابرة مضحية فإنها تعيش كالأمهات في مُقل الصغار … ثم يقول الشاعر في آخر مقطع من القصيدة نفسها:
النَّخْل في أرْضِ العراق
عرائسٌ بيِِِْضاءْ، حُورٌ تزيَّن للشَّهيد،
فليْسَ يُقْلقُها انْتِظََارْ
هِيَ تَعشِقُ الحنَّاء تَخْضِبُها دماءُ الذَّائدِين عن ِ الدِّيار
وتعطَّلتْ شوقًا لرَوْضتِه
وبدَّلت القنابلَ بالنُّضارْ
ومِنَ الشَّظايا القاتِلاتِ تَصُوغُ وَرْدًا أو مَحَارْ
تُهْدِيهِ عِقْدًا للحَبِيبْ، وقدْ أتَى يوْمُ الفخارْ
النخلة في هذه الصورة المأساوية، هي آخر المضحِّين بعد جفاف دجلة وصيام الفرات، بعد أن كانت تهب الربيع الاخضرار وتبدع الأمطار، ونشر الأمل في عيون الكبار والصغار … ولكن تضحية النخيل لا يطال فضلها الأحياء فحسب، بل هي تتزين بالورود والعقود والمحار لتكون حورا تنتظر بشغف صفوف الشهداء …
فالنخلة إذا عند الشاعر محمد ناصر رمز للمرأة المسلمة الطاهرة المضحية، بل هي رمز للمراة من ذوي القربى والدم، أمًّا كانت أم عروسا أم بنتا، هي رمز للجمال والحنان والأنوثة واهبة الحياة … وكأننا نشعر بالشاعر في حبه لهذه النخلة المرأة ممتثلا طائعا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أكرموا عمتكم النخلة»(2)، وهو الذي يقر بذلك حين كتب: «ويتردد في أعماق نفسي قول نبينا الكريم (أكرموا عمتكم النخلة) ذاك