مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

09 حريزي - فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة - الحلقة 03

الجزء ١٠ · صفحة ١٧٠

يخطئ كثيرا من يجيب بالإيجاب، ويعتقد أنه من دهاة العرب سواء في السياسة أو في الاجتماع في تعامله مع علي - رضي الله عنه -. الحقيقة أن معاوية على خلاف ذلك! لأن الدهاء لا ينطوي على فعل الشر وسفك الدماء المحرمة، بل ينطوي على فعل الخير، وبناء حضارة إنسانية بالسلم، ويحل المشكلات بلا سفك للدماء، فهو ممن تسري في عروقه العصبية القبلية، فاسم الدولة ضارب عروقه إلى الجد الثالث: (معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية) وهي مؤسسة أصلا من عرق بني أمية، وهو من أعيان قريش بمكة، وهو حَمُ هاشم بن عبد مناف (أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم -) تولى عن أبيه السقاية والرفادة (500 - 524) وكان عثمان - رضي الله عنه - من بني أمية، ولذلك اتخذ ذريعة لتأسيس ملكهم والدعوة للأخذ بثأره من على الذي هو من بني هاشم، ومن هنا تظهر عصبيته وقبليته وجفاؤه لعلي - رضي الله عنه - وخلافته.

نلاحظ أن تأخره في فهم الأوضاع السياسية والاجتماعية بعد محاربة علي، وأسقط الرؤوس وأروى الأراضي والوديان بدماء المسلمين لأجل الملك والسلطة توصل بفهمه - ودهائه المعتبر - في نهاية حروبه وأتعابه إلى ما كان من المفروض أن يتوصل إليه بدهائه من البداية لكي يحقن دماء المسلمين وكبار الصحابة. فتأمل نص ابن الأثير في كامله: «وفيها [أي في 40 هـ] جرت مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة» (ج3، ص:195).

قال ابن جرير الطبري: «لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب معاوية إلى علي (كرم الله وجهه): أما إذا شئت فلك العراق، ولي الشام، ونكف السيف عن هذه الأمة، ولا تهريق دماء المسلمين، ففعل ذلك وتراضيا على ذلك، فأقام معاوية بالشام بجنوده، يجبيها وما حولها، وعلي - رضي الله عنه - بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده» (نفس المصدر، ص:195).

وقع ذلك بعد آخر غزو من معاوية على اليمن من بسر بن أبي أرطأة وقتل بها أناسا كثيرة، فسير له علي - رضي الله عنه - جارية بن قدامة السعدي في ألفي رجل، وهرب بسر، وأتبعه جارية حتى أتى مكة … ودعا علي على بسر، فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله، فأصابه ذلك وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف ويطلبه … إلى أن مات. وعبيد الله بن عباس كان عازما على أن يقتل معاوية وبسر بن أبي أرطأة (ج3، ص:195).

معنى ذلك أن معاوية لم يفكر في دماء المسلمين، ويكف السيف عنهم ولا يهرق دماءهم إلا عندما أحس بأن القتل والموت يحوم حواليه، فهل يعتبر ذلك دهاء.

١٦٧ / ٣٢٩