مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

09 حريزي - فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة - الحلقة 03

الجزء ١٠ · صفحة ١٧١

فلماذا لم يتفق مع علي منذ البداية من سنة 35 هـ زمن بيعة علي بأسلوب سياسي واجتماعي حكيم على أن يكون لعلي العراق ويفتح ما جاوره من الناحية الشرقية للعراق من دول غير مسلمة، ويكون لمعاوية الشام ويفتح ما جاوره من الناحية الغربية من الدول، ولا يدخل أحدهما بلاد الآخر بغارة، ولا يتسلط أحد على الآخر بالقتال، وبذلك تحفظ دماء المسلمين، وتنتشر الدعوة الإسلامية إلى أقاليم أخرى جديدة؟، فهل الدهاء في هذا، أو في استحلال دماء بعضهم البعض، ولعن بعضهم البعض، وبتعصب وجفاء وبداوة؟! وما شاء الله كان، والكل ذهب إلى ربه، إن حسابهم إلا على ربي.

6 - إن المعارضين لعلي - رضي الله عنه - كانوا من أهل الكوفة ومؤيديهم من هنا وهناك، إذ إن خطب علي كانت موجهة لأهل الكوفة، ويذكر غالبا: يا أهل الكوفة .... يا أهل الكوفة. ولم يخاطب أهل البصرة.

إنَّ هذه الأحداث - وغيرها - من الوقائع والحروب الطاحنة المتسلسلة في ذلك العهد عهد خلافة علي - رضي الله عنه - منذ بيعته يوم الجمعة 25 ذي الحجة سنة 35هـ/ 24 جوان 656م، إلى أن قتل في 17 رمضان سنة 40هـ/ 25 جانفي سنة 661م، قد تركت بدون شك آثارا سلبية مؤلمة جدا في أهالي مصر، والشام، والعراق، والجزيرة العربية واليمن، حيث يتمت آلاف الأولاد، ورملت الزوجات، وآلمت وبحسرة الأقارب وذوي الأرحام، وغيرهم، وأدمت القلوب وأسالت الدموع، وحركت العواطف والمشاعر، وأثارت الأحقاد والكراهية في النفوس، وقلبت لبعضهم البعض ظهر المحن، واختلطت الأفكار السوداوية، وتشاءمت من الأوضاع الكريهة غير الآمنة، ويئس القواد والجنود والعامة من العيش الهنيء، وأنبتت كل ذلك الزرع الخبيث أفكار الانتقام، والفرقة والخروج، ونكران بعضهم من بعض وأثمرت وأينعت التدابير للأخذ بالثأر وأسالت الماء بالحلال أو الحرام، في أشهر الحلال، أو الأشهر الحرم، وبأي تبرير كان، وتغافل المسلمون كثيرا عن نصوص القرآن وسنة النبيء، ولا هم للناس إلا التمرد والعصيان والحكم والغلبة وهموم الدنيا، ونسيان الله والآخرة، ومن ثنايا كل ذلك، وما تحمله النفوس نلاحظ ونحكم بما يلي:

إنَّ جميع الغزوات والسرايا وجميع المناوشات - خلال خلافة علي - رضي الله عنه - تأتي من قِبَلِ معاوية، وليس من قِبَلِ علي، فمعاوية هو المبادر بالمكر، والتمرد، والخروج عن الخضوع لحكم علي، وذلك لغرض الاستيلاء على مناطق القوة والنفوذ، بينما علي - رضي الله عنه - دائما يكون في موقف الدفاع والرد على المهاجمين غِرة أحيانا، فأحيانا ينتصر على جنود معاوية، وأحيانا ينكسر ويندحر،

١٦٨ / ٣٢٩