مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ١٩

الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} ويقول: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.

أيُّها القارئ الكريم: بقي أن نتساءل فنقول: إلى من وُجِّه الخطاب بترك الرِّبا في القرآن العظيم يا ترى؟ ومن هم الذين ورد في حقهم كلُّ هذا التهديد بالوعيد الشديد في الكتاب الكريم، هل كان هذا في حقِّ المجوس والمشركين، أوفي حق الصابئين والمنافقين، أو في حق اليهود والمسيحيين،: كلا وألفُ كلاَّ، إنَّ الخطاب موجه أصلا للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والمؤمنون هم الذين كان عليهم أن يتمثلوا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ يعني يا أيُّها الذين آمنوا إن لم تتقوا الله، ولم تذروا ما بقي من الرِّبا فلستم بمؤمنين، هذا أخطر ما يهدِّد المؤمن أن يُنفي عنه الإيمان وهو يدعيه، ويعمل العمل الصالح فيرد عليه، فيدخل بذلك في زمرة من قال الله تعالى فيهم ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾

ولا أصدق على هذا من الحالة الراهنة التي يعيشها العالم اليوم تحت وطأة الإعصار المالي الذي يرجُّه رجًّا حتى فكانت عروشه تتساقط تساقط أوراق الخريف، حتى لا يكاد تقوم لها قائمة كما نرى، وينوء تحت كلكله حتى لا يقوى على حراك، بل حتى لتكاد تختنق أنفاسه من شدة البأساء، وتزوغ عيناه من وطأة الضراء، ويطوِّح بكلٍّ المؤسسات المالية العالمية الضخمة فتهوي بها الريح في مكان سحيق، ويمحق كلَّ الصروح الربوية فتنهار بأصحابها انهيار البنايات المرفوعة قواعدها على أسس من رماد فتدكها في فج عميق ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

تلكم أبُّها القارئ الكريم بعض النصوص القطعية المتن والدلالة، الواردة في

١٧ / ٣٢٩