09 حريزي - فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة - الحلقة 03
الجزء ١٠ · صفحة ١٨١الشام]، قالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قُصَدا [قطعا]، فارجع إلى مصرنا [يعني الكوفة]، فلنستعد، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا، فإنه أقوى لنا على عدونا، وكان الذي تولى كلامه الأشعث بن قيس فأقبل حتى نزل النخيلة [موقع بين الكوفة والحلة قرب بابل بالعراق]، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويواطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم.
فأقاموا فيه أياما، ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالا من وجوه الناس، وتُرك المعسكر خاليا. فلما رأى [علي] ذلك، دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير [إلى العدو]، وقال لهم أيضا: «أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدوكم، ومن في جهاده القربة إلى الله عز وجل، ودرك الوسيلة عنده حيارى، عن الحق جفاة، عن الكتاب يعمهون في طغيانهم، فاعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلا، وكفى بالله نصيرا.
فلم ينفروا، ولا تيسروا، فتركهم أياما حتى أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم، ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يبطئ بهم؟ فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقام فيهم [أي علي] فقال: «عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذل والهوان من العز خلقا؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة [اختلاط العقل] وأنتم لا تعقلون، فكأن أبصاركم كمه، وأنتم لا تبصرون، لله أنتم ما أنتم إلا أسد الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس، أأنتم لي بثقة سجيس الليالي [أي أبدا أو بتغير لياليها] ما أنتم بركب يصال به، لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم [المحش حديدة يحرك أو يوقد بها النار] إنكم تُكادون، ولا تكيدون، وينتقص أطرافكم، وأنتم لا تتحاشون، ولا يُنام عنكم وأنت في غفلة ساهون، ثم قال:
«أما بعد، فإن لي عليكم حقا، وأن لكم علي حقا، فأما حقكم علي، فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون» (ج3، ص:176).
إن هذا الموقف من علي تجاه أهل الكوفة واضح اليأس منهم، فقد أدبهم، وبصرهم بأنفسهم لخذلانهم، له، وعيَّرهم بأخسِّ الصفات ت الوحشية في المواقف