مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

12 بابكر - القراض بالمحل التجاري وجهة نظر أخرى

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٤

ثم إننا نستطيع إثبات أنَّ الجهالة في بدل الإجارة بالمحل غير موجودة أصلاً، لأنها وإن كانت مجهولة المقدار والكمية وقت العقد إلاَّ أنَّها معلومة عن طريق مؤشر تحديد النسبة التي سيتحصَّل عليها صاحب المحل كـ 20% أو 30% من الربح، وهذا كاف لرفع الجهالة والحكم بصحَّة التعامل، أرأيت إلى المضارب يُعطى له نسبة مئوية من الربح، ويجهل ما سيحصل عليه آخر السنة؟ فهل هذه الجهالة مؤثرة في المضاربة، الجواب بالإجماع هو بالنفي، فكذلك الأمر هنا. ومن هنا نقول بجواز الإجارة بمجهول الخراج بشرط تحديد مؤشر واضح لتحديدها مستقبلا، وهذا ما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين منهم علي محيي الدين قرة داغي(1) في بحث الإجارة، وذهب إليه أستاذنا وهبة الزحيلي في بحث عقد المقاولة(2)، حيث قال: "وفي الإجارة وإن كان الشرط كون الأجرة معلومة غير مجهولة بلا خلاف بين العلماء، لكن أجازه الحنابلة بجزء من نماء العمل. واستشهد بقول ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء، ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله، فجاز ما يتفقان عليه من قليل المال وكثيره، كالأجرة في الإجارة، وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة".(3)

ثم قال:" فإن قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها، قلنا: إنما جاز ثَمَّ، تشبيهاً بالمضاربة، لأنها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من النماء، والمساقاة كالمضاربة، "(4).

وقد ذهب إلى إجارة بمقابل غير معلوم كل من ابن عباس وابن سيرين ومال إليه البخاري(5).

وبناء على المنطلق الذي بدأنا به؛ وهو أنَّ الأصل في المعاملات هو الجواز ولا يرفع الأصل إلا بدليل أقوى منه ــــ والجهالة التي من أجلها مُنع الحكم كما رأيت منتفية ــــ فيبقى الحكم على أصله من الجواز والمشروعية.

الأمر الثالث الذي يمكن أن يكون مانعا من جواز هذه المعاملة، هو ما

(1) علي محيي الدين القره داغي: «الإجارة وتطبيقاتها المعاصرة» مجلة مجمعع الفقه الإسلامي 12/ 456

(2) (وهبة الزحيلي: «عقد المقاولة» بحث منشور في موقع الدكتور وهبة الزحيلي ص 06.

(3) (ابن قدامة: «المغني»، 5/ 18.

(4) (ابن قدامة: «المغني»، 5/ 256.

(5) (البخاري: الجامع الصحيح 2/ 794 ، ابن حجر: فتح الباري، 4/ 541.

٢٠٠ / ٣٢٩