مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

12 بابكر - القراض بالمحل التجاري وجهة نظر أخرى

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٦

من الربح، فكذلك يجوز أن يكون لصاحب المحل الذي قدَّم منفعة المحل أجرة بنسبة مئوية من الربح، وليس هناك ما يمنع من ذلك وأحسَب أن تسويغ منحِ العامل قدرا معينا من الربح دون صاحب المحل تحكُّم دون مبرر والله أعلم.

فإن لم نقس صاحب المحل على المضارب لاشتراكهما في علة الحكم، وهذا قياس جليٌّ يغنينا عن أي قياس آخر، فإن هذا لا يمنع أن نقيس المضاربة بالمحل، على المزارعة في الحكم، بجامع أن كلا العقدين قُدِّم فيه منفعة عقار: الأول قُدِّم فيه عقار المحل والثاني قدم فيه عقار الأرض. وقد جاء في المدونة الكبرى لأبي غانم الخرساني: "قال عبد العزيز: وقياس من أجاز المزارعة بالنصف أو بالثلث أنه عنده بمنزلة رجل أعطى رجلا مضاربة بالنصف، أو بالثلث فلا بأس به عنده. وبلغنا مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، أنهما كانا يعطيان أرضهما بالثلث أو الربع"(1).

وكذلك نقيس المضاربة بالمحل على المساقاة، بجزء مما تخرجه الأرض في الحكم، بجامع أن كلا منهما قدما منفعة عقار، الأول قدم فيه عقار المحل والثاني قدم فيه عقار الأرض والأشجار، وقد حرر الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي مسألة قياس المساقاة على المضاربة بجامع المنفعة المقدمة تحريرا شافيا كافيا في دراسته لعقد المساقاة فقال: "قد يقال: إن القياس ــــ أي للمساقاة على المضاربة ـــــ مصادم للنصوص الشرعية فهو فاسد الاعتبار؟ ويجاب عنه: بأنه لا يعتبر فاسد الاعتبار إلا مع تعذر تأويل أدلة الخصوم تأويلا صحيحاً، أما مع الإمكان فلا يرد، وأدلتهم هنا إما عمومات والقياس يخصصها كما هو مذهب الجمهور، وإما محتملات لأكثر من معنى كالمخابرة، وهذا القياس تعضده نصوص صحيحة صريحة لا مطعن فيها"(2).

فلإن جاز قياس المساقاة على المضاربة بجامع المنفعة المقدمة من العامل ومنفعة صاحب الأرض وهي منفعة مختلفة فيما بينهما فقياس المضاربة بالمحلِّ على المساقاة أولى بالاعتبار لاتحاد العلة بينهما وهي منفعة العقار.

و إن لم يسعفنا في هذه المسألة لا الأصل العام في المعاملات وهو الإباحة والجواز ولا القياس الجلي كما مرَّ فلا أقلَّ أن نأخذ بالاستحسان بالعرف، وحقيقته: العمل بما يتعارف الناس ويعتادونه في معاملاتهم والعدول عن مقتضى القياس والأصل العام إذا أدى إلى العنت والمشقة، ولا خلاف بين الفقهاء في اعتبار العرف وتحكيمه في مجاله المحدد له، فهو أصل بني عليه شطر كبير من أحكام الفقه ويُرجع إليه في كثير من المسائل، ولقد اهتم الإباضية بالعرف كغيرهم من المذاهب الإسلامية وبنوا عليه كثيرا من الأحكام واحتكموا إليه في الكثير من الأحكام الفرعية، يقول السالمي: "العادة محكَّمة نوجب اعتبارها"(3)، وقال الجويني: "من لم يخرج العرف في المعاملات تفقها لم يكن على حظ كامل فيها"(4). وقد حكّم الإباضية العرف في المعاملات بعادات الناس وتسامحهم فيها ما لم تخالف أحكام الله تعالى، ففي بعض المعاملات مثلا أجازوا بيع التمر في رؤوس النخل، وأخذ المشتري الثمرة، وما لم يدخل في البيع كالسعف اليابس والعسق (العرجون) وغير ذلك مما تطيب به نفوس أربابها ويُعلم جوازه بالعادة وسكون القلب إليه، ما لم يمنع صاحب الشجر ذلك"(5)

وقد تعارف الناس على المضاربة بالمحل زمناً طويلا ولا يزالون يعملون بها، وقولنا بعدم جواز ذلك إحراج للمتعاملين بها، وإيقاع لهم في المشقة والعنت وهما مرفوعان عن شريعتنا الغراء المبنية على التيسير، ورفع الحرج كما قال أبو يوسف: "ما كان أرفق بالناس فالأخذ به أولى، لأنَّ الحرج مرفوع"(6).

مناقشة البدائل المقترحة:

قد يُقتَرح أن يكون البديل للمضاربة بالمحل هو تقويم المحل، وحساب قيمته مع المال المضارب به، وهذا المقترح يُظهِر أساس الإشكال، وهو اعتبار أن صاحب المحل التجاري قد قدم محلَّه مالا فيُستحسن أن يُقوَّمَ هذا المال فيدخل في مجموع مال القراض؟ ولقد مرَّ في تكييف هذا العقد أن صاحب المحل لم يُقدّم في هذه المضاربة مالاً فنطالبه بتقويم محلّه، وإنما قدَّمَ منفعة المحل كما قدَّمَ العامل منفعة العمل، فلا يُلزَمُ بذلك لا شرعا ولا عرفا، و في هذا البديل إغراق للمضاربة بأموال العقار الكبيرة دون أن تساهم في التجارة مما يؤثر سلبا على فائدة صاحب المال وصاحب العمل.

والمقترح الثاني وهو أن يكون المحل إجارة، ويأخذ صاحب المحل أجرته من المحل، وليس له علاقة في المضاربة

(1) (أبو غانم الخرساني: «المدونة الكبرى» 2/ 500.

(2) (أفلح بن احمد الخليلي: «المساقاة» بحث منشور في قرص المكتبة الإباضية الشاملة قسم مسائل فقهية.

(3) (السالمي: «طلعة الشمس»، 2/ 192.

(4) (الجويني: «نهاية المطلب» 3/ 110، نقلا عن عادل عبد القادر قوته: «أثر العرف و تطبيقاته في المعاملات المالية» ص 13.

(5) الشماخي: «الإيضاح»، 1/ 211.

(6) السرخسي: «المبسوط»، 11/ 25.

٢٠٢ / ٣٢٩