12 بابكر - القراض بالمحل التجاري وجهة نظر أخرى
الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٧القائمة في محله. وهنا نتساءل أيُّهما أجدى وأنفع في المعاملات؟ إجارة المحل بأجرة محددة، أم المضاربة بالمحل؟ والجواب هو بما يحققه كل واحد من العقدين من المصلحة ومن مقاصد الشارع في المعاملات.
وعندما نقرأ أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن كراء الأرض من جهة، وتشجيعه للمزارعة من جهة أخرى فقد رُوي أنه - صلى الله عليه وسلم - "عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع"(1). عندئذ نَفهم المقصد الشرعي من وراء ذلك. وهو بث خُلق التوكل على الله بين الناس في المعاملات ودفع الناس إلى المخاطرة في الاستثمار بمبدأ الغرم بالغنم ودفع الناس للتعاون والتآزر في تحمُّل جميع الأطراف عبء الاستثمار الذي إن وقع ـــ لا قدر الله ــــ وقع ثقيلا تنوء عنه أولي القوة من الرجال.
فإجارة المحل دون المشاركة بجزء مما تحققه المضاربة من الربح أقرب إلى كراء الأرض الذي نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخرج الربيع بن حبيب عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء الأرض"(2)، ولعل العلَّة في ذلك مَا في هذا الكراء من ظلم يشبه ظلم المرابي، حيث يأخذ صاحب الأرض المال أجرةً للأرض التي قدَّمها ولا يعبأ بعد ذلك بالمزارع فيها، نتجت الأرض أم لم تُنتج شيئا، أم أصاب الزرعَ جائحةٌ أكلت الأخضر واليابس. وقد ثبت عن الرسول الكريم رفع الجوائح، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - «لو بِعْتَ من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟»(3).
وهذا ما جعل الإمام السالمي يرجِّح مزارعة الأرض بجزء من خراجها على كرائها فقد سئل عن كراء الأرض فقال: "وكراؤها بجزء معلوم من غلتها أحب إليَّ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقر أهل خيبر على أن يعملوا فيها بجزء من غلتها بعد أن صارت للمسلمين"(4). وهو ما ذكره الشيخ اطفيش حيث قال: "وقيل لا تجوز مزارعة أرض إلاَّ بجزء من خارج منها … ولا بالدراهم والدنانير لما رُوي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمّاله من نجران في مزارعة مال المسلمين: من دفع البذر فله النصف
(1) (اطفيش: «شرح النيل» 10/ 07
(2) (الربيع بن حبيب: «الجامع الصحيح» رقم 565، 2/ 148 وانظر «آثار الإمام جابر بن زيد» 2/ 955.
(3) (مسلم: «الصحيح»، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، رقم1554، 3/ 1190.
(4) (السالمي: «جوابات السالمي» 4/ 401.