مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ٢٣

يطغون بما عندهم من العلم، أو يستعلُون بما عندهم من الفهم، وهذا الذي اصطلح على تسميته بالإعجاز العلي في القرآن الكريم. فهذا النوع من الإعجاز يجري بأمر الله، ولا يد للإنسان فيه، ولا تأثير له في عالم التكليف العيني الذي يثقل كاهله، والذي يترتَّب عليه مصير سعادته.

أمَّا الآيات التشريعية المحكمة فهي التيِّ يتعيَّن على المرء التزامها ليحقِّق عبوديته المطلقة لله، فيرجو رحمته، وينجو من مقته، وهذا الذي نستطيع أن نطلق عليه بالإعجاز التشريعي، الذي لا يزداد مع مرور الأيام إلاَّ جلاء، وهذا الذي يعنينا ــــ نحن معشر المؤمنين ـــــ لنزداد إيمانا مع إيماننا، وتنشرح صدورنا إلى حكمة شرع ربِّنا. فنكرُّ عليه التزاما، ونفرُّ إليه اعتصامًا.

إنَّنا كلَّنا نتابع في قلق جهيد الكوارث المرعبة التيِّ تهز العالم هزًّا عنيفًا، ونراقب في ضيق شديد الحوادث المتسارعة التيِّ ترجُّ الأمم رجًّا مخيفًا، في مشارق الأرض ومغاربها، بصورة مفزعة لا يعرف الناس لها أسبابا، ويتساءلون فلا يجدون جوابا، ويلهثون فيمسي سعيهم يبابا، حتى كادت تختنق أنفاسهم إلى حدَّ الإزهاق بسبب المضاعفات التيِّ أحدثها فيروس الرِّبا القاتل للشعوب والأمم، والمخرب للدنيا والقيم، بمختلف صوره ــــ ولا شيء غيره ـــــ هذا الذي تغشَّى المؤسسات المالية فتولَّد منهما ما يسمى بالأزمة المالية العالمية، والتيِّ صارت تعرف اصطلاحا بالإعصار المالي، بل بتسونامي المالي كما سماها قريسبن رئيس الصندوق الفدرالي الاحتياطي الأمريكي، في جلسة أمام الكنجرس الأمريكي أطغى دولة مستكبرة على وجه الأرض إذ قال في صوت خافت حزين: إنَّ الذي يحدث ليس أزمة مالية فقط، بل هو تسونامي مدمَّر، وإنَّني أرى ما يقع أمامي ولكنَّني لا أفهم شيئًا.

أيُّها القارئ الكريم: إنَّني لن أتناول الموضوع من الناحية الفنية البحتة، أو أعالجه من الوجهة العلمية المتخصصة، فلهذا المجال أربابه المقتدرون، ولا أدخل في تفاصيل الأزمة وأسبابها وانعكاساتها، ولا عن الحلول اللازم اتخاذها فليس هذا من تخصُّصي وهو أكبر من أن يتطفَّل عليه قاصر مثلي، وهو الذي أعيا جبابرة العقول عن إدراكه، وأكدى عباقرة الأفهام عن استيعابه. وللموضوع كما للقرآن أربعة أوجه، وجه لا يسع الناس جهله، ووجه تعرفه العرب من كلامها، وجه لا يعرفه إلاَّ العلماء الراسخون، ووجه لا يعلمه إلاَّ الله، وأنا من الصنف الأول، ممن يتكلَّم في الموضوع من الوجه الذي لا يسع الناس جهله، لذا فأنا أتناول الموضوع من زاوية واحدة هي زاوية الإنسان المؤمنُ بالله إيمان العجائز بأنَّه أحكم الحاكمين، المصدِّقُ بكتابه بأنَّه لا ريب فيه تصديق العارفين، الواثقُ بشرعه بأنَّه يهدي للَّتي هي أقوم

٢١ / ٣٢٩