مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ٢٤

وثوق الصالحين، المتيقِّنُ أنَّ الله تعالى لا يحلٍّل إلاَّ لحكمة، ولا يحرِّم إلا لمصلحة، وأنه أدرى بخير خلقه من أنفسهم، وأنه الصادق فيما يقول، وأنَّه لا يخلف وعده ولا عيده، فزاوية الرؤية في الموضوع تتأرجح إيمانًا أو كفرًا، وتصديقًا أو تكذيبًا، وتسليمًا أو اعتراضًا، وقبولاً أو رفضًا، لما جاءت به آيات الله العزيز الحكيم، وأحاديث النبيء المصطفى الكريم.

أيُّها القارئ الكريم:

1 - هل حدث أن دخلت منزلك مرة وطالبتك زوجتك بإحضار بعض المواد التيِّ نفقت، فتملَّكك القلق وانتابتك الحيرة، فعبست في وجهها، ونظرت شزرًا إليها ثمَّ أعرضت عنها، وتوترت العلاقة بينكما ولو إلى حين، أتعلم من كان السبب في هذا؟ إنَّه الشيطان الذي يسمونه الرِّبا.

2 - هل حدث أن خرجت إلى السُّوق تبغي شراء بعض متاعك، ولكنَّك بعد جولة طويلة، أرهقتك مشيا ولهثا عدت بخفي حنين، وأنت تجرُّ أذيال الخيبة، ونفسك تتفطَّر حزنا؟ أتدري من كان وراء هذه النكسة؟ إنَّه الطاغية الذي يطلقون عليه الرِّبا.

3 - هل حدث أن حمل إليك ابنك قائمة الأدوات المدرسية، وأخرى للكتب الدراسية، وطلب منك إحضارها له، ثمَّ تلكَّأت في إجابة طلبه، لأنَّك لم تعد قادرًا على تحمُّل تكاليفها، فصرت تتلوَّى في إجابته، وتتجنَّب ملاقاتَه خوف الإلحاف في الطلب، وربَّما أخفق ابنك في الدراسة بسبب هذا، ولكن هلاَّ تساءلت من كان وراء هذه النكبة؟ إنَّه لا محالة ذلكم العتيُّ الذي يلقبُّونه الرِّبا.

4 - هل حدث أن توجَّهت يومًا إلى عملك، فقيل لك إنَّك مسرَّح من عملك، لأنَّ الشركة قد خفَّضت عدد عمَّالها، أو لأنَّ المادة الأولية قد نفقت، أولم تعد قادرة على تجديدها، فركنت إلى البطالة، تسجدي قوتك وقوت عيالك، كحال الملايين من أمثالك في كل بقاع المعمورة، أتدري من كان يقف وراء محنتك؟ إنَّه العدو الفاتك الذي يرفع راية الرِّبا.

5 - هل حدث أن شاهدت مناظر المجاعة القاتلة، والأمراض الفتاكة، والجهالة المظلمة، التي تنوء بكلكلها في شتَّى بقاع العالم، حتى صار البشر فيها أشبه ما يكونون بالأموات، ثمَّ تساءلت ترى من يدفع بهؤلاء إلى حافة الهاوية؟ إنَّه لا محالة الوحش الضاري الذي ينعت بالرِّبا.

6 - هل حدث أن شاهدت مظاهر الترف الأثير، والبطر الكبير، والفرح الكثير، التيِّ تبدو مفاتنها بارزة في بعض جهات المعمورة البائسة، حتىِّ كان أربابها سماسرة الجنون، وعباقرة المجون،

٢٢ / ٣٢٩