02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٢٦الداعين في كلِّ حين على كثرتها ولكن لا ترى لها أثرا؟ إنَّه لا محالة بسبب ما تسرَّب إلى أجواف النَّاس من أموال محرَّمة وفي مقدِّمتها الرِّبا. وهذا المصطفى - عليه السلام - يقول لخادمه أنس بن مالك - رضي الله عنه -: يا أنس أطب مكسبك تستجب دعوتك، إن الرجل ليدفع اللُّقمة إلى فيه من حرام فما تستجاب له دعوة أربعين يومًا.
هذه بعض المضار المرعبة، والشرور المستطيرة التيِّ تترتَّب عن الرِّبا بصورة فردية أو جماعية، تجعلنا ندرك حكمة الله البالغة في تشديد النَّكير على من يتعاطى الرِّبا، والإعجاز التشريعي للإسلام في نصوصه التيِّ تحرِّم الرِّبا تحريمًا قاطعًا، وهذا ما تجلِّيه قضية الساعة المعقدة التيِّ ذهبت بلبِّ كلِّ عَلَم قائم، وتشعَّبت حتَّى أفقدت صواب العالم، وقد عصفت بزخارفه ريح عقيم حرَّكتها الأزمة الاقتصادية العالمية، وصوَّح بمنابته إعصار فيه نار هيَّجته المعاملات الربوية، فَجَعَلْتهَ حَصِيدًا كَأَن لَّمْ يََغْنَ بِالاَمْسِ، وصيَّرته لوعة تتقد حسرة في كلِّ نفس ممَّا يجعل الراسخين من الذين أوتوا العلم ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
يقول سيد قطب رحمه الله في ظلاله مع شيء من التصرُّف: لقد كانت للرِّبا في الجاهلية الأولى مفاسده وشروره، ولكنَّ الجوانب القبيحة المتبدِّية من وجهه الكالح ما كانت كلُّها ظاهرةً في العالم الغابر مجتمع جاهلية القرون الغابرين، كما تظهر اليوم وتتكشَّف في العالم الحاضر جاهلية قرون المتأخرين. فالحملة المفزعة البادية في الآيات القرآنية على ذلك النظامِ المقيتِ، تتكشَّف اليوم حكمتُها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشريَّة المفجوعة، أشدَّ ممَّا كانت متكشِّفة في الجاهلية الأولى. ويدرك من يريد أن يتدبَّر حكمةَ الله، وعظمةَ هذا الدين، وكمالَ هذا المنهج، ودقَّةَ هذا النظام، يدرك اليوم من هذا كلِّه ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النُّصوصَ أوَّلَ مرة. وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدِّق كلَّ كلمة تصديقاً حياً مباشراً واقعاً. آه
أيُّها القارئ الكريم: إنَّ العالم ليعيش حقيقة الإعصار المالي المدمِّر في كلِّ حين، ويراه يتجسَّد يوميًّا بأمِّ عينيه عين اليقين، وقد كانت الدنيا في نظر أهلها جنَّة بربوة تجري من تحتها الأنهار، فحق عليها قوله تعالى: … ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. ولقد اتَّضح منذ سنوات - بحسب ما تدلُّ عليه السُّنن الفطرية، والدِّراسات العلميَّة،