02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٢٧والمقدِّمات المنطقيَّة - أنَّ العالم يسير إلى كارثة اقتصاديَّة عامَّة، ويتَّجه نخو أزمة ماليَّة عارمة، بسرعة فلكيَّة متزايدة بلا حدود، لقد أصيب بلطمة خطيرة، ونزيف داخليٍّ فى مخِّه أدَّت إلى شلل فى أعضاء جسده، فتجمَّدت شرايين النَّشاط الاقتصادي، وهذا الذي يحدث هذه الأيَّام بسبب هذا الإعصار المدمِّر، وهو أصدق ما يوصف به الوضع المالي الراهن في العالم.
لقد تنبَّأ العديد من روَّاد النِّظام الاقتصادي الرأسمالى بانهياره، لأنَّه يقوم على مفاهيم ومبادئ تقود إلى إفلاسه، لأنَّها تتعارض مع سنن الله - عز وجل -، ومع القيم والأخلاق التيِّ فطر الله تعالى الناس عليها، كمَّا أنَّه يقوم على الاحتكار والفوائد الربويَّة، والتيِّ يرونها أفدح شرٍّ على وجه الأرض تقود إلى عبادة المال، وسيطرة أصحاب القروض على المقترضين، بحيث تسلب حريَّاتِهم وأعمالهَم وديارَهم، وتسبِّب آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة. يقول موريس آليه الحاصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد: إنَّ النِّظام الاقتصاديَّ الرأسماليَّ يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التيِّ هى أساس تدميره إذا لم تعالج وتُصوَّب تصويباً عاجلاً. ولتتجلَّى لنا حقيقة ما يحدث اليوم، لنقم بمقارنة بسيطة بين النِّظام الربويِّ الذي كان يجري في العهد القديم، ونظامه الذي يسري في العصر الحديث، لنتبيَّن الفروق الكبيرة بينهما، وتتجلَّى لنا الأسباب التيِّ أثارت هذا الإعصار المالي الأهوج، وأدارت هذا التسومامي العاتي الأحمق:
1. لقد كان الرِّبا في الجاهليَّة الأولى محصورًا بين شخصين اثنين، ويتداول بنسبة محدودة من الفائدة، ويدار في مجالات معيَّنة مخصوصة، ولا يلجأ إليه إلاَّ للحاجة والضرورة، ويقوم على قاعدتين هما: أنظرني أزيدك، أو عجل لي أحطُّ عنك، ومن ثمَّ فمضاره لا محالة تكون محصورة بين الآخذ والمعطي فقط، في تعاملات معيَّنة، وفي دائرة مكانيَّة ضيِّقة، أمَّا اليوم فقد صار أغلب الناس في جميع أنحاء المعمورة لا يتعاملون إلاَّ بالرِّبا، في جميع شؤون حياتهم، الاستهلاكية والاستثمارية، بل والاجتماعية، حتى كانت عقود الزواج تتمُّ بواسطة قروض ربوية، فصاروا يعانون من فجعاته المتعاقبة، ويئنون تحت ضرباته المتوالية، فلا يكاد يصاب أحدهم من غلوائه إلاَّ نال الآخر من ويلاته، كيف لا وقد صار العالم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر، لأنَّهم جميعا تتحكَّم في تعاملاتهم الماليَّة بنوك دوليَّة، ونواد ماليَّة، وشركات احتكاريَّة، وبورصات عالميَّة.
2. لقد كان التموُّل في القديم قائما على أسس المقايضة، أي مبادلة سلعة بسلعة أخرى، أو المضاربة التيِّ تقوم على اشتراك المال مع العمل في إنتاج الثورة، وعلى بذل كلِّ الجهد في مقابل الحصول على بعض