مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

15 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان - الحلقة 02

الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٦

عرف القطب عناء النفي، وحياة اليتم في صغره، وعاش في رعاية أمِّه وإخوته(1).

وصاحَبَهُ شظف العيش إلى كبره، إذ كثيرا ما شكا للعمانيين وضْعَه المادي، ومن نقص إعانة بني قومه له، وقد يستجديهم لنسخ تآليفه، زيادة على ما يرسله إليهم من عنده دون مقابل، إذ يقول: «وإن قدرتَ على إرسال مالٍ لنسخ الكتب من تآليفي لإرسالها إليكم، مع ما أرسل إليكم من عندي، وعيَّنتم ذلك في الحج القابل - إن شاء الله تعالى - رجلا ثقة يأخذها إليكم من مكَّة، فأخبرني عاجلا، لأستعدَّ لذلك من الآن، فإنِّي لا مال لي، وأغنياء بلادي لا يعينونني، ولي رغبة في الإرسال إليكم لكتبي»(2). ويقول: «ولو وجدت مالا لأسرعت في حاجتك، وأنت تظنُّ بي أن الناس يعينونني! والله إنِّي لأطلب في الإعانة عشرين ريالا فلا أجد من يعطي خمسا [ … ] وإنِّي أستحي من الطلب، والله إنِّي أطلب فلا أُعطَى، وقد أيست منهم، والله إنِّي راغب في نشر كتبي نفعا لكم [ … ] وطلبا لثواب الله جلَّ وعلا، فأمهل لعلِّي أجد شيئا فشيئا من مالي أو مما عند الله المستعان. والحاصل أنِّي أحبُّ المال الكثير للنسخ، وإنِّي أعطي في أجرة النسخ ما لا يعطي غيري»(3). ولا يزال العالِم والمثقَّف المسلم يعاني من هذا الوضع إلى اليوم، فكم من تآليف لعلماء ومشايخ ودكاترة وأساتذة لا تزال حبيسة الرفوف، أو مكدَّسة في درج أصحابها، لا يستطيعون نشرها لتكلفته الباهظة!.

والعجيب أن يصل الوضع بالشيخ اطفيش إلى أن يرفض زيارة أهل عمان في ضيافة أهل بلده، لعدم مساعدتهم له، مع ما في قلبه من حبٍّ ورغبة في إكرامهم: «وأمَّا أن تزورني أنت أو غيرك من أهل عمان فلا، رحمكم الله، فأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه؛ لأني في قوم لا يقومون بي، والإباضية في المغرب أشحَّاء إلاَّ ما شاء الله، وإن كنتم تقبلون ضيافتي فمرحبا بكم ألفًا، ولست أبخل بالموجود»(4). ونحن اليوم إذ نقرأ مثل الكلام قد نعجب منه! كيف لا يقوم وجهاء البلد باستقبال وفد يقدُم من عمان، زائرا لأكبر مشايخهم؟! ولكن العجب ينجلي إذا علمنا بالظروف القاسية التي مرَّ بها الشيخ، بلغت إلى حدِّ نفيه من بلده(5). ونحن اليوم - والحمد لله، إذ نرفل في نِعم لا تحصى؛ فبمجرد أن يسمع ذوو الكرم بمقدم وفد من هنا أو هناك، من داخل الوطن أو خارجه إلا ويتسابقون لإكرامه - علينا أن نتذكَّر أنَّ هذا لم يكن إلا نتيجةً لتلك الجهود المضنية والتضحيات الجسام التي قام بها أولئك المصلحون الأفذاذ، من الشيخ اطفيش وأضرابه، من قبله ومن بعده!.

ومن الطرائف المؤسفة أن تنطبق على الشيخ مقولة: «غريق يستنجد بغريق»، إذا علمنا بأن هذه الوضعية المادية العصيبة لقطب المغرب، قد كان يعاني منها أيضا قطب المشرق، مراسلُه ومحبُّه ومتنفَّس همومِهِ وأسرارِهِ: الشيخ نور الدين السالمي، إذ قال له الشيخ اطفيَّش: «وقد عذرتك لقلَّة مالك ولاحتياج الواردين عليك»(6). فهل كتب الله للعلم أن لا يلتقي مع المال؟!.

ولحلِّ معضلة التمويل في سبُل العلم تمنَّى القطب لو أنَّ وصايا الناس وأوقافهم كانت بيده، إذن لوجَّهها لنشر العلم، كما قال: «وليست وصايا الناس وأوقافهم بيدي، بل كلُّ واحد يوصي ويوقف بيد قريبه أو حبيبه»(7)، وقال: «إلاَّ أنَّ النسخ هنا بأجرة غالية، ومثل شرحك القصيدة أو مثل الشيخ درويش أو النيل ست عشرة ريالا كبيرة فواتح في كلِّ واحدة(8). والناس لا يعينونني في ذلك، ولا في مثله في إيقاف الكتب، وإنِّي أعالج ما تيسَّر لي من الإرسال»(9).

ونلاحظ أن رغبة القطب في توجيه الأوقاف نحو خدمة التآليف ونسخها وطباعتها لم تبرح مكانها منذ عهد القطب إلى اليوم، ولم تتحقَّق أمنيته إلاَّ قليلا!. كما أنَّ أرباب الأموال ينفقونها ويوصون بها ويقفونها - غالبا - في المنشآت المادية أكثر من المجالات الفكريَّة. وإذا كان هذا الوضع قائما اليوم، مع انتشار الوعي والعلم والثقافة، فهو في عهد القطب أشدُّ وأقسى!.

2 - الوضع الاجتماعي للميزابيِّين:

ترك التسليم عند الاستئذان: انتشرت بميزاب في عصر القطب بدعة ترك التسليم عند الاستئذان، فبذَلَ الشيخُ كلَّ ما في وسعه لإقناعهم

(1) وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص26.

(2) كشف الكرب، 1/ 258.

(3) المصدر نفسه، 1/ 10.

(4) المصدر نفسه، 1/ 11.

(5) ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص27.

(6) كشف الكرب، 1/ 6. وينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص67.

(7) كشف الكرب، 1/ 10.

(8) من هذا الجواب يمكن للاقتصاديين أن يستنتجوا مستوى دخل الفرد آنذاك.

(9) كشف الكرب، 1/ 6.

٢٤٨ / ٣٢٩