15 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان - الحلقة 02
الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٩والعبرة التي نأخذها من هذه الواقعة هي أنَّ استيراد الفتوى من بيئة بعيدة عن واقع المجتمع قد تؤدِّي إلى ما لا يُحمد عقباه. وأكاد أجزم أنَّ الشيخ الخليليَّ لو كان على دراية تامَّة بمعاناة القطب لإصلاح تلك البدعة لساعده عليها، ولو بالسكوت، وهو أسلم. ولنا في تاريخ الجزائر المعاصر أمثلة قريبة من هذا القبيل!.
3 - ا لوضع الاجتماعي للعمانيِّين:
كان القطب يحزن لما يحدث في عمان من فتن، كما صرَّح به للشيخين نور الدين السالمي وعيسى بن صالح الحارثي: «وصلني كتابك وفهمته وفرحت بسلامتكما، وحزنت لفتن عمان»(1)، غير أنه لم يصرح بنوع تلك الفتن وأسبابها، فحاولنا اكتشافها، فتوصلنا إلى أن منها ما كان صراعا قبليًّا، أو صراعا على السلطة، أو خلافات في الآراء الفكريَّة أو السياسيَّة.
الصراع القبلي:
إذا تتبعنا تاريخ العمانيين في تلك الفترة رأينا أنهم عاشوا صراعات قبلية دامية، عمل الشيخ صالح بن علي الحارثي على إطفائها، بمساعدة ابنه عيسى، وتلميذه نور الدين السالمي. كما شهدوا عدة ثورات قام بها هؤلاء الثلاثة ضد السلطان للإطاحة بنظامه، وإحياء الإمامة. ولا أخال أن القطب يقصد بالفتن الثورة الأخيرة التي قام بها السالمي، والتي أسفرت عن قيام دولة الإمامة؛ لأن عيسى الحارثي لم ينضم إليها منذ البداية، والخطاب كان موجَّها إليه.
وأشار القطب إلى أنَّ تقاتل أهل عمان كان منافسة على الدنيا، لا من أجل إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل، حين قال: « … لا أظنُّ عسكركم على الحقِّ، فلستُ مفتيا لكم بصرف الزكاة عليه(2) بل أظنكم تتقاتلون منافسةً، يقتل بعضكم بعضا، فيفرح عدوُّ الدين، ويُوضِعُ خلالَكُم، وقد ذكر الله جل وعلا مصرف الزكاة إذ قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ … ﴾(3)، وليس عسكر الجور من أهل سبيل الله»(4). ولا يشك مسلم في أن التنازع والتقاتل سبب في الضعف والوهن، وقهر الأعداء، كما قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(5). وذلك الوضع كان حال المسلمين في شتى بقاع الأرض آنذاك بصفة خاصَّة، ولا يزالون، نسأل الله السلامة.
الصراع على السلطة:
لا يخفي القطب ميله إلى إحياء إمامة الظهور، ففي إحدى رسائله يقول: «وأما بعد فسلام على ولدنا أحمد بن سعيد بن خلفان، وعلى أصحابنا من أهل عمان، أزال الله عنهم الجور والطغيان وأنعم عليهم بالظهور بعد الكتمان، وبالتأييد والحماية من الخذلان … »(6)، ومع الأسف فإن الرسالة غير مؤرخة، وبالتالي لا نستطيع أن نعرف هل كانت المراسلة إبان قيام الحارثي والسالمي بالثورة ضد السلطان، وبالتالي نفهم أنه مؤيد لهما، أم هي في فترة الهدنة التي تلتها، أم هي في آخر حياته زمن إعلان الإمامة سنة 1331هـ.
غير أنه من المؤكد الذي لا مراء فيه أن القطب دعا غير مرة إلى تفادي كلِّ ما من شأنه إراقة الدماء، فقد ورد إلى القطب سؤال عن حكم إجبار الناس على بذل زكواتهم لإقامة الدولة، فأجاب بنفي الجواز، لأنه من الممكن إزالة الفتنة بالصلح وتركِ القتال، وأشار إلى وجود بعض العلماء أجازوا لأهل الكتمان ما قدروا عليه من أحكام الظهور(7)، والاستظهار على العدو(8) بالزكاة ومال المسجد(9). وتساءلنا عن ظروف هذا السؤال في تلك الفترة، فوجدنا أنَّ الشيخ صالح بن علي الحارثي (ت: 1314هـ/1896م) قام بعدة ثورات ضدَّ السلطان، محاولا استرجاع الحكم الإمامي، وبدا لنا أن السؤال جاء في هذه المرحلة أو بعدها بقليل. ولذلك خشي القطب استغلال فتاواه لإذكاء نار الفتنة بين العمانيين، وقال في رسالة مؤرَّخة بأواخر رجب 1317هـ: «وقد أحوجتني يا أخي عيسى إلى إظهار ما لا
(1) المصدر نفسه، 2/ 55.
(2) أي: صرف الزكاة إلى التجهيز العسكري، بناء على إجازة بعض العلماء ذلك إذا كان القائم على العسكر حاكما بالحقِّ، ولو في حال الكتمان، ولم يكن هناك إمام ظهور.
(3) سورة التوبة: 60.
(4) كشف الكرب، 2/ 90.
(5) سورة الأنفال: 46.
(6) من مجموع رسائل، برقم: أ. ز.6 (مك. ق)، ص: 17.
(7) ينظر معنى هذه المصطلحات: الكتمان والظهور: مجموعة من الباحثين: معجم مصطلحات الإباضية، 2/ 658، 2/ 905.
(8) يبدو أن المقصود بالعدو هنا هو السلطان (تركي بن سعيد، أو ابنه فيصل) وأنصاره، وذلك حسب السياق التاريخي لصاحب السؤال، وهو الشيخ عيسى بن صالح الحارثي.
(9) كشف الكرب، 2/ 342 - 343. مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، برقم: أ. ز.6، ص23. (مك. ق).