16 الطرابلسي- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ودوره في جربة
الجزء ١٧ · صفحة ٢٧٩بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، ولكن هل كان مجتمع جربة بكلّ مستويات طبقاته الاجتماعية مناصرا لأسرة فصيل ومساندا لها في صراعهم ضدَّ الانشقاقات داخل الإباضية أو الخارجة عنها كالشيعة والمالكية؟
ب ـــــ المساعدات المادية:
لسائل أن يسأل عمَّا يمكن أن يقوم به شخص جعل الاهتمام بالتعليم من أوَّل اهتماماته وهو رجل صاحب جاه ومال كبيرين؟
كان أبو زكرياء يصرف الدنانير بالدَّراهم ويجعلها في قراطيس وصرر يعلِّقها في ألواح التلاميذ أو يجعلها بين ثيابهم دون أن يشعروا،(1) قاصدا بذلك تحقيق هدفين وهما، التكتُّم عن الصدقة وتشجيع الطلبة على العلم ودفعهم إلى مزيد البذل لتحصيل أكثر ما يمكن منه، وعندما يتفطَّن الطلبة إلى تلك الأموال فيسألونه عن مصدرها فيقول بأنها رزق ساقه الله إليهم من حيث لا يدرون وتَحِلُّ الاستفادة به، ولكن بموته أيقن الطلبة أنَّ أبا زكرياء هو صاحب هذه الإعانات المالية عندما انقطعت عليهم(2).
وكان ثراء أبي زكرياء وتجارته الواسعة في الجزيرة خير سند له لتحقيق أهدافه المتمثلة في نشر العلم وتوسيع حلقات التعليم، كما أنفق فصيل على الطلبة الوافدين من خارج الجزيرة لتلقي العلم فوفَّر لهم المأكل والمسكن الذي يأويهم حتى يستطيعوا تحصيل العلم على أحسن وجه، علما وأن عددهم كان كبيرا لما كانت تتميَّز به جربة من إشعاع في مجال علوم الفقه وعلم الكلام والحديث. هذا ساهم في إثراء الرصيد الإباضي من المؤلفات الفقهية والكلامية مثلما كان مع مؤلف أبي محمد ويسلان صاحب «كتاب الوصايا والبيوع»،(3) وكذلك مؤلفات أبي الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي(4) ومنها «كتب التحف المخزونة في إجماع
(1) الشّماخي، «السير»، ص341.
(2) علي يحيى معمّر، «الإباضية في موكب … »،ج3، ص107.
(3) «(ق5هـ/11م)، من جمع تلامذة أبي محمد، وهم ثمانية، منهم: حمّو بن أفلح وأحمد بن ويجمن وعبد الرحيم بن عمرو … »، فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة … »، ص 265.
(4) «(ت:471هـ/1079م)، هو الأصولي والفقيه، تعدَّدت نسبته، الوسلاتي، المزاتي، النفطي، أخذ العلم من أريغ عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر النفوسي، كان من أكابر العزَّابة بجربة»، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص215.