مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

19 الرسائل الجامعية 3 حمودة مصطفى

الجزء ٢٠ · صفحة ٣٠٩

سرت عليه في "اللهب المقدَّس"»، فهذا الارتباط الواعي بصيرورة الأحداث، يجعل فهم الكثير من شعره مرهونا بإدراك سياقه التاريخيِّ.

صعوبات البحث وعوائقه:

إنَّ تجربتي السابقة في تحقيق كتاب من القرن الثامن الهجريِّ، رسَّخ اعتقادي بضرورة توسيع نطاق البحث خارج دائرته المحدَّدة بالعنوان، ويعني فيما يعنيه، في مرحلة جمع المادة، جمع كلِّ ما له علاقة بالبحث من قريب أو بعيد، فعندما استفدت من منحة لإتمام البحث بالخارج، أمضيت ثمانية أشهر كاملة، أنقِّب في وثائق مركز أرشيف ما وراء البحار بفرنسا، لأستخلص عددا وفيرا من الوثائق المتعلِّقة بمفدي، وعددا أوفر، يساوي أضعاف أضعاف ما سبق، يخصُّ ارتباطات مفدي في حياته النضاليّة والأدبيّة؛ ولئن أفادني هذا المسلك في البحث إفادات جمّة، فإنّه قد التهم من زمن البحث قدرا كبيرا، فطالت مدّته، وتجاوز آجاله المحدّدة.

ويترتّب على هذا المسلك في مرحلة التحرير أن أستقصي المعلومة في كلّ جزئيّة من جزئيات البحث في مئات الوثائق، ثمّ لا أجدها إلاّ أجزاء متفرّقة في وثائق عديدة، عليّ أن أجمعها، بعد امتحان صحّتها، وأن أعيد بناءها بناء متناسقا، مع توثيقها توثيقا علميّا صارما، مع ما يرافقه أحيانا من ترجمة فقرات من اللغة الفرنسيّة، وهو جهد يستغرق وقتا طويلا، فطالت مدّة البحث، وتجاوز آجاله المحدّدة.

وعليه فأهمّ صعوبة واجهتني في البحث، كانت محاولة الانفكاك من ضغط الوقت المحدّد لإتمام البحث، لأنجز عملا علميّا مرضيّا بمقاييسه، وزاد من حدّته واقع للبحث العلميّ في جزائرنا، يجعل الأولوية فيه للشهادة لا للبحث، ومنه قلّة النماذج الإيجابيّة التي تدعم معنويّا مثل هذا المسلك الذي اخترته؛ فكان صراعا حادّا يتجدَّد كلَّما انفتحت أمامي مكتبة، أتوقّع أن أجد فيها مادّة لبحثي، ولو وثيقة واحدة؛ وكلّما قوّمت عملي في التحرير، على كثرة ساعات العمل فيه، فوجدته يسير بخطى السلحفاة؛ ويمكن أن أقول بعد تمام البحث: إنّي ــــ بحمد الله ــــ حسمت الصراع لصالح البحث في الأغلب الأعمِّ، لأنّني كنت كلّما راودتني فكرة استبعاد الفحص المجهريّ للمادّة، وتعويضه بفحص العين المجرّدة على ضعفها، ردّني إلى الجادّة شعوري بواجب أداء أمانة

٢٩٧ / ٣٢٩