24 خطبة العدد - الشيخ عيسى
الجزء ٢٥ · صفحة ٣٢٥الأبناء الأحداث، وبين ربع مجرَّد يتنعم في رياضه الآباء وقد طوتهم الأجداث، مفارقة في الأمر عجيبة، وعِبرة لكلِّ نفس أريبة، فذاك يمثِّل الأمل المنشود، وهذا يدلِّلُّ على الأجل المحدود، وذاك يجعل المرء يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، وهذا يحمل المرء على أن يعمل لآخرته كأنَّه يموت غدا. فتلك قصورهم وهذه قبورهم، سنة لله في خلقه قائمة، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنَّة الله تحويلا.
اللَهُ أَكبَرُ كَم لِلعيدِ مِن طَرَبٍ وَكَم لَهُ مِن هَوىً في أَنفُسِ البَشَرِ
راقَت لَياليهِ في صَفوٍ وَفي مَرَحٍ وَفي اِستِماعِ الهُدى وَالذِكرِ وَالسَمَرِ
أي شباب الإسلام، ما أحوجك وأنت تعيش زمان الغربة الذي تكالبت فيه قوى الرذيلة، مكشِّرةً أنيابَها تبتغي افتراس ما تبقى من أوصال الفضيلة، وتقاربت فيه فئات البغي مبرزةً مخالبها تريد الإجهاز على معاقل الإيمان بكلِّ وسيلة، ما أحوجَك وأنت تصارع متاهات الحياة الدنيا وقد ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ ما أحوجك وأنت ترى كيف فتح الله تعالى أبواب كلَّ شيء على من قست قلوبهم، حتىَّ ليكاد الشكُّ يتسرَّب إلى قلبك فيفسد عليك دينَك، ما أحوجك إلى أن تعود بعميق فكرك، ويقين صدرك لاستعراض تاريخِ حدثٍ مهيبٍ دارت فصوله في مثل هذه الأيام في منظر رهيب، وجرت وقائعه بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرَّم في مظهر عجيب، فتقتبسَ من بطلي ذلك المشهد الخالد الذي قدَّره ربُّ العباد، الوالد إبراهيم الخليل، والولد إسماعيل الحليم، ما يجعلك تطمئن قلبًا، وتسكن نفسًا، وترتاح بالاً، رغم ما تعانيه من قهر العدا، وغلبة الكفر، وبطش العصاة، وتقلُّب الأهواء، فتنظرَ ماذا قدَّمت امتثالا لأمر ربِّك، وماذا تركت طلبًا لمرضاة من يحبُّك، ما يجعلك تستمسكُ بعروة الله الوثقى، وتستعصمُ بحبل الله المتين، فهذا الخليل إبراهيم قد قرَّب لربِّه قربانًا فلذة كبده، وحيدَه إسماعيل الذي بلغ معه السعي على كبره، مؤثرًا مرضاة ربِّه على حرقة قلبه، وهذا الحليم إسماعيل الذي يستقبل الدنيا غلاما زكيًّا، يقدِّم رقبته للذَّبح طاعة لله رضيًّا، ويضطجع على شقه الأيمن ملبِّيا نداء ربِّه نجيًّا، وتلك لعمري النهاية في التضحية، وذلك وأيم الله هو البلاء المبين، فاستحقَّ الوالدُ النصوحُ والولد الصبوحُ ذلكم النداء الكريم من المولى الولي الرحيم ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ فغدا الأب إبراهيم مثلا للتضحية