24 خطبة العدد - الشيخ عيسى
الجزء ٢٥ · صفحة ٣٢٦لكلِّ والد حنون، وغدا الابن إسماعيل مثلا للتلبية لكلِّ ولد أمين.
فماذا قدَّمت أنت أيُّها المسلم طلبًا لمرضاة مولاك، وبماذا ضحَّيت أخي المؤمن أملاً في مناداة من يتولاَّك؟ أم تراك قد أطعت من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه فكان أمره فرطا، أم تراك قد مددت عينيك إلى ما متع الله به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا، أم تراك قد آثرت إشباع شهوةٍ زائلةٍ في دار الهوان، عن متعة دائمة في دار الحيوان، أم تراك قد خامَرَك شكُّ في كون كلِّ نفس بما كسبت رهينة، أم تراك لم تصدِّق بأنَّ عليك كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد، أم تراك انخدعت بأطماع من يستعصم بأماني حديث البطاقة، أم تُراك اغتررت بأمالي من يستمسك بأحابيل الشفاعة، أم تراك قد ضمنت لنفسك في الزُّبُر براءة؟ فما لك والخمرَ تحتسيه، وما لك والفسقَ تأتيه، ومالك والرِّبا تقتنيه، وما لك والفجورَ تجتنيه، وما لك واللَّهوَ تبتغيه، وما لك والعارَ ترتديه، وما لك والبونَ عن الصراط ترتضيه، وما لك وسوءَ الخلق تكتسيه، ومالك والترفَ تعتليه، ومالك وتقليدَ الغرب تقتديه، ومالك ومالك … فما قدَّمت فيما قدَّموا، وأين ما ضحَّيت فيما ضحوا، حتى تفوز بما فازوا، وتُحظى بما حُظوا؟ إنَّه لم يطلب منك أن تقرِّب فلذة كبدك، ولا أن تقدِّم للذَّبح رقبتك، إنَّه لم يُطلب منك سوى تركِ منكرات من القول، واجتناب موبقات من الفعل، كي لا تضلَّ ولا تشقى. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
الله أكبرُ الله أكبر، اللهُ أكبر، الأمانةَ الأمانةَ معشر المؤمنين، والصلاةَ الصلاةَ معشر المسلمين، لقد ضاقت النُّفوس ذرعًا بما نسمع من أكل الأمانات، والتَّهاون بالصلوات، فعن ابْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قال: إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانةُ، وَآخَرَ مَا يَبْقَى مِنْ دِينِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَيُصَلِّيَنَّ قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، وَلَيُنْتَزَعَنَّ الْقُرْآَنُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَسْنَا نَقْرَأُ الْقُرْآَنَ وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ فِي مَصَاحِفِنَا؟ قَالَ: يُسْرَى عَلَى الْقُرْآَنِ لَيْلا فَيُذْهَبُ بِهِ مِنْ أَجْوَافِ الرِّجَالِ فَلا يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ.
والتَّرف التَّرف معشر السامعين، فإنَّ التَّرف يهدي إلى التَّلَف، والتلف يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النَّار، لقد بدت بوادره عيانا على الذين ظلموا أنفسهم، في المساكن الضخمة، والقصور الفخمة، والسيارات الفارهة، والمجاهرة بالمعصية، والإنفاق في سبل الشيطان، ومعاكسة النساء في الطرقات، وورود الحانات والخمارات، وفي مظهر البطر والأشر، وفي التَّعدِّي على محارم الله، ونعوذ بالله من سوابق الشقاء،