02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا
الجزء ٣ · صفحة ٣٨هم من قال الله تعالى فيهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ ونستطيع أن نفسِّر التَّرف بقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.
لقد وردت كلمة التَّرف في القرآن الكريم بمختلف صيغها سبع مرات، ولم ترد إلاَّ في سياق الذمِّ والتَّنفير، ممَّا يدلُّ على أنَّها كلمة مستقبحة مستهجنة عند الخالق، ولو أنَّها مستعذبة مستمرأة عند المخلوق. فحيثما يمَّمت وجهَك أيُّها القارئ الأمين في كتاب الله المبين، باحثًا عن كلمة التَّرف إلاَّ وواجهتك عواصف تصمُّ الآذان، وصارعتك قوارع تُرجف الأبدان، وكيف لا وقد أعلن الله الحيُّ القيُّوم على المترفين حربًا شعواء في الدنيا لا تبقي ولا تذر، فقال ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، وحمل عليهم حملة نكراء ترديهم في الآخرة في عذاب وصقر فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ كما يعرض القرآن إلى حقيقة مكنونة فيه وهي أنَّ المترفين هم السابقون الأولون إلى الكفر والعصيان اغترارًا بأموالهم واعتزازًا بأولادهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
أيُّها القارئ الكريم: لقد عمَّ التَّرف بلادًا كثيرة من الدنيا، فشمل مناحيَ المتعة الجلىَّ، وتجاوز المترفون كبائر الإثم والفواحش في عالم المدنية المتدنيَّة، حتى لقد صار المرء لا يصدِّق ما تسمع أذناه، فضلا عمَّا تراه عيناه، في كلِّ مجالات المتعة، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومركب ومتنزه، ولعلَّ أعظم ما يبرز صور هذا التَّرف ماثلا في أجلى صوره التَّعالي في البنيان، وزحرفة الجدران، وقد أرادها المترفون ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ولكأني بالنبيء هود - عليه السلام - يخاطب أهل المعاد بما خاطب به قوم عاد ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولكأنِّي بالمترفين اليوم يجيبون بأقبح الأوصاف، ما أجاب قوم عاد نبيئهم يوم أنذرهم بالأحقاف: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا