مجلة الحياة، العدد 15 مجلة الحياة

02 الشيخ عيسى - الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم ـ الربا

الجزء ٣ · صفحة ٤٠

6 - بيع ثوب بالمزاد العلني بعشرات الآف الدولارات لأنَّه ثوب لاعب ذاع صيته، أو مطرب فاقت شهرته. ولا تعجب إن سمعت بأن بقيَّة سيجار لرئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية وينسون تشرشر بيع بحوالي ألف دولار في المزاد العلني. ولا تسل عمَّا يبذره المترفون من أموال ضخمة في ميادين اللَّعب والدعة، وفنون اللَّهو والخلاعة، تباهيًا وانتهاكًا، حتى صاروا يقولون مثل ما قاله المترفون الأولون من قبلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.

هذه أمثلة واقعية قليلة لما يحدث في عالم مترف مفترس، وهي غيض من فيض، ووشل من بحر، تبين ما آل إليه العالم من ترف فاق كلَّ تصور، وتبذير فاق كلَّ تهور. ومعظم ذلك المال ـــــ إن لم نقل كلَّه ــــــ كان بسبب كسب حرام تولَّد عن الرِّبا والقمار، والميسر والاحتكار، فكان المترف لا يجد ضائقة من الإنفاق، ولا حرجًا من التبذير لأنَّ المال الذي معه جاءه من طريق ميسور، ولولا تكدُّس المال الحرام في أيدي المترفين لما استرخصوه في غالي الأثمان، ولا يعرف الإنسان قدر المال إلاَّ إذا بذل في جمعه كدَّ اليمين وأسال عليه عرق الجبين.

أيُّها القارئ الكريم، لننظر إلى صنوف البلاء الإلهية، وفنون النقمة الرِّبانية، التيِّ يصبها على العالم المترف صبًّا، ويعبُّها على جموع المترفين عبًّا، زلزال مدمِّر، إعصار مهلك، مدُّ بحريٌّ مغرق، انجراف للتربة مطبق، جفاف للبلاد محرق، حرائق ملتهبة متلفة، عواصف ثلجية مميتة، طائرات تتحطم، بواخر تغرق، أمراض مزمنة، فتن دائمة، حروب قائمة، وصدق الله العظيم ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

فلا تغبطنَّ المترفين فإنَّه على

حسب ما يُعطيهم الدهرُ يسلبُ

إذن لقد حقَّ وعيد الله تعالى على المترفين بالتَّدمير بالسُّرعة الفائقة التيِّ تدلُّ عليها الفاء التي تفيد التَّرتيب والتَّعقيب كما يقول أهل العربية، والذي ضمَّنته سنته القائمة في قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ وهكذا الحال إلى يوم يبعثون ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وذلك من إعجاز التَّشريع القرآني الذي يُحققه الواقع المعيش بنفاد الوعيد الذي يتوعد في آياته كلَّ منتهك لحدود الله، ومن أكبرها إعلان الحرب على الله ورسوله بتعاطي الرِّبا ومشتقاته، وهي العامل الأول للترف، والمسبب

٣٨ / ٣٢٩